a

Showing posts with label فتاوى العـقـيدة. Show all posts
Showing posts with label فتاوى العـقـيدة. Show all posts




قد نتج عن القول بحرية الرأي إنكار حدِّ الردة لأنه يتعارض معها بزعم من يرى ذلك .


قالوا
ولأنه لم يرد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قتل مرتدًا .

قالوا
ولأنه يتعارض مع قوله تعالى : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } .

قالوا ولأن حدَّ الردة لم يرد في القرآن. هذا حاصل ما وقفت عليه من تعليلاتهم لذلك .

والجواب عن ذلك …


1 - حدُّ الردة ثابت بإجماع الفقهاء 

قال ابن قدامة في المغني (8-126) :

« الرابع - يعني من أحكام المرتد - : أنه إذا لم يتب قُتِلَ ، وهو قول عامة الفقهاء »

2 - أن قتل المرتد فيه حفظ للعقيدة من العبث 

لأن الشريعة تحفظ الضرورات الخمس : العقيدة ، والنفس ، والعرض ، والنسل ، والمال ، والأمن .

3 - أما كون حدِّ الردة لم يُذكر في القرآن فقد جاء في السنَّة الصحيحة

مثل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « من بدَّل دينه فاقتلوه »

وقوله - صلى الله عليه وسلم - :

« لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيِّب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة »

وقد قال تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } ، وقد أمر الرسول بقتل من بدَّل دينه فوجب قتله .

حد الردة - من بدل دينه فاقتلوه

4 - أما قوله تعالى : { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }

معناه أنه : لا يكره أحدٌ على الدخول في الإسلام

وحدُّ الردة عقوبة على الخروج من الإسلام وليست لأجل الدخول فيه

لأن الذي دخل في الإسلام قد اعترف بأنه حق ثم تركه عن علم ؛ فهو متلاعب بالدين

فاستحق القتل على ذلك حماية للعقيدة عن العبث .

5 - حرية الرأي تكون فيما للرأي فيه مجال

ولا مجال للرأي في أمور العقيدة وأمور الدين ، لأن هذه الأشياء مبناها على الإيمان والتسليم والانقياد .

6 - حدُّ الردة حدٌّ من حدود الله لا يجوز تعطيله لأي اعتبار

قال الرسول - صلى الله عليه وسلم- : « ويم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها »

وحدُّ الردة أعظم من حدِّ السرقة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - منع الشفاعة في الحدود وشدَّد في ذلك .

7 - أما أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً فجوابه :

أن الرسول ترك ذلك لمانع وهو قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه » .

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .


كتبه

صالح بن فوزان الفوزان

عضو هيئة كبار العلماء


الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : 

فإن ميميه البوصيري - المعروفة بالبردة - من أشهر المدائح النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً

ولذا تنافس أكثر من مائه شاعر في معارضتها ، فضلاً عن المشطِّرين والمخمِّسين والمسبِّعين

كما أقبل آخرون على شرحها وتدريسها ، وقد تجاوزت شروحها المكتوبة خمسين شرحاً

فيها ما هو محلى بماء الذهب ! وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن .

يقول الدكتور زكي مبارك :

وأما أثرها في الدرس ، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون

إلى عقد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة

وهي دروس كانت تتلقاها جماهير من الطلاب  وانما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة

لأن مثل هذا الدرس لم يكن من المقررات فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ [1] .

وقد أطلق البوصيري على هذه القصيدة البردة من باب المحاكاة والمشاكلة

للقصيدة الشهيرة لكعب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

فقد اشتهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى كعباً بردته حين أنشد القصيدة - إن صح ذلك - [2]

فقد ادعى البوصيري - في منامه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقى عليه بردة حين أنشده القصيدة !!

وقد سمى البوصيري هذه القصيدة أيضاً بـ " الكواكب الدرية في مدح خير البرية " [3] .

كما أن لهذه البردة اسماً آخر هو البرأة ؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته

وقد سميت كذلك بقصيدة الشدائد ؛ وذلك لأنها - في زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير .

وقد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة ؛ فبعضها أمان من الفقر ، وبعضها أمان من الطاعون [4] .

يقول محمد سيد كيلاني - أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة :

" ولم يكتف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة

بل وضعوا لقراءتها شروطاً لم يوضع مثلها لقراءة القرآن ، منها : التوضؤ ، واستقبال القبلة

والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها ، وأن يكون القارئ عالماً بمعانيها ، إلى غير ذلك .

ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفية الذين أرادوا احتكار قراءتها للناس

وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة ، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح ، نظير أجر معين [5] .

وأما عن مناسبة تأليفها فكما قال ناظمها :

كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي ، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة ، فعملتها 

واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني ، وكررت إنشادها ، وبكيت ودعوت ، وتوسلت ونمت

فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم- ، فمسح على وجهي بيده المباركة ، وألقى عليّ بردة

فانتبهت ووجدت فيّ نهضة ؛ فقمت وخرجت من بيتي ، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً

فلقيني بعض الفقراء ، فقال لي : أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

فقلت : أيّها ؟ فقال : التي أنشأتها في مرضك ، وذكر أولّها

وقال : والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 

فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يتمايل وأعجبته ، وألقى على من أنشدها بردة ، فأعطيته إياها 

وذكر الفقير ذلك ، وشاع المنام [6] .

ففي هذه الحادثة تلبّس البوصيري بجملة من المزالق والمآخذ 

فهو يستشفع ويتقرب إلى الله - تعالى - بشرك وابتداع وغلو واعتداء - كما سيأتي موضحاً إن شاء الله - .

ثم ادعى أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أن يبيّن نعته ، فإن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -

حسب صفاته المعلومة فقد رآه ، فإن الشيطان لا يتمثل به - كما ثبت في الحديث - .

ثم ادعى أن النبي في - صلى الله عليه وسلم - مسح على وجهه وألقى عليه بردة 

فعوفي من هذا الفالج ، فتحققت العافية بعد المنام دون نيل البردة !

ثم التقى البوصيري - في عالم اليقظة - بأحد المتصوفة وأخبره بسماع القصيدة بين يدي الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تمايل إعجاباً بالقصيدة

وهذا يذكّرنا بحديث مكذوب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تواجد عند سماع أبيات

حتى سقطت البردة عن منكبيه ، وقال : ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب .

قال شيخ الإسلام :

إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته وأحواله [7] .

وأما عن استجابة دعاء البوصيري مع ما في قصيدته من الطوامَّ

فربما كان لاضطراره وعظم فاقته وشدة إلحاحه السبب في استجابة دعائه .

يقول شيخ الإسلام :

ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة

أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له ، لصدق توجهه إلى الله 

وان كان تحري الدعاء عند الوثن شركاً ، ولو استجيب له على يد المتوسل به ، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته

فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعفُ الله عنه 

فكم من عبد دعا دعاء غير مباح ، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء ، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة [8] .

وأما عن التعريف بصاحب البردة فهو :

محمد بن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر ، ولد سنة 608 هـ

واشتغل بالتصوُّف وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة

ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً كما لم يكن عابداً صالحاً

حيث كان ممقوتاً عند أهـل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح ، كما أنه كثير السؤال للناس

ولذا كان يقف مع ذوي السلطان مؤيداً لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل .

ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها ، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها

كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها !

توفي البوصيري سنة 695 هـ وله ديوان شعر مطبوع [9] .

قوادح عقدية في بردة البوصيري

وسنورد جملة من المآخذ على تلك البردة التي قد تعلّق بها كثير من الناس مع ما فيها من الشرك والابتداع .

والله حسبنا ونعم الوكيل .

1- يقول البوصيري :

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من * * * لولاه لم تُخرج الدنيا من العدم

ولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -

حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله - صلى الله عليه وسلم -

وقد قال سبحانه : " ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ " [الذاريات : 56]

وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع : لولاك لما خلقت الأفلاك [10] .

2 - قال البوصيري :

فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق * * * ولم يدانوه في علم ولا كرم

وكلهم من رسول الله ملتمس * * * غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبياء والرسل محمد - صلى الله عليه وسلم -

فالسابق استفاد من اللاحق !

فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل :

إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنه يوجد العالم ومنه استمد كل علم وعرفان ؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه .

وكذا مقالة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين [11] .

3 - ثم قال :

دع ما ادعته النصارى في نبيهم * * * واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - منتقداً هذا البيت :

ومن المعلوم أن أنواع الغلو كثيرة ، والشرك بحر لا ساحل له ، ولا ينحصر في قول النصارى

لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان وأهل الجاهلية كذلك

وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في المسيح - غالباً - : إنه الله ، أو ابن الله ، أو ثالث ثلاثة

بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله ، لكن عبدوها معه لاعتقادهم أنها تشفع لهم أو تنفعهم

فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات على أن قوله في منظومته :

دع ما ادعته النصارى في نبيهم مَخْلَصٌ من الغلو بهذا البيت

وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة [12] .

لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- :

لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله [13]

فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم

وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول ، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم

فإن قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله 

تقرير للوسطية تجاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  فهو عبد لا يُعبد ، ورسول لا يُكذب 

والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى - عليه السلام - 

وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله - صلى الله عليه وسلم - : كما أطرت

هي كاف التعليل ، أي كما بالغت النصارى [14] .

ويقول ابن الجوزي - في شرحه لهذا الحديث - :

لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه لأنَّا لا نعلم أحداً ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى - عليه السلام -

وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه

فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيداً للأمر [15] .

4 - وقال أيضاً :

لو ناسبت قدره آياته عِظماً * * * أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم

يقول بعض شرّاح هذه القصيدة :

لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله - تعالى - وكل قربه وزلفاه عنده

لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره [16] .

يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت :

ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو ؛ فإن من جملة آياته - صلى الله عليه وسلم - القرآن العظيم الشأن

وكيف يحل لمسلم أن يقول : إن القرآن لا يناسب قدر النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هو منحط عن قدره

ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم ؟ [17] .

5 - وقال أيضا :

لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه * * * طوبى لمنتشق منه وملتثم

فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطيب وأفضل مكان

وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله

وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح ، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى - 

قال شيخ الإسلام - رحمه الله - :

واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي - صلى الله عليه وسلم- ولا يقبله ، وهذا كله محافظة على التوحيد [18] .

6 - ثم قال :

أقسمتُ بالقمر المنشق إنّ له * * * من قلبه نسبةً مبرورة القسم

ومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر

فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :

من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك [19] .

وقال ابن عبد البر - رحمه الله - :

لا يجوز الحلف بغير الله - عز وجل - في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال ، وهذا أمر مجتمع عليه ...

إلى أن قال : أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها ، لا يجوز الحلف بها لأحد [20] .

7 - قال البوصيري :

ولا التمست غنى الدارين من يده * * * إلا استلمت الندى من خير مستلم

فجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمساً من يد النبي - صلى الله عليه وسلم -

مع أن الله - عز وجل - قال : " ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ " [النحل : 53]

وقال - سبحانه - : " فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ " [العنكبوت : 17]

وقال - تعالى - : " قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ " [يونس : 31] ،

" قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ

وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ " [سبأ : 22] .

وأمر الله نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى - :

" قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ " [ الأنعام : 50 ]

8 - قال البوصيري :

فإن لي ذمة منه بتسميتي * * * محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

وهذا تخرُّص وكذب ،،

فهل صارت له ذمة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمجرد أن اسمه موافق لاسمه ؟ !

فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديماً وحديثاً الذين يتسمون بمحمد !

و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت :

قوله : فإن لي ذمة ... إلى آخره

كذب على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة

لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك [21] .

فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة [22] .

9 - وقال البوصيري :

إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي * * * فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين

إذ مضمونه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر

فانظر إلى قول الشاعر ، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - :

" قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " [ الزمر : 13 ] .

ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة 

فلو صح ذلك فالمحذور بحاله ، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى - :

" ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ

قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " [ يونس : 18 ]

فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً [23] .

10 - وقال :

يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العمم

يقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت - :

فتأمل ما في هذا البيت من الشرك :

منها : أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - 

وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له ، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو .

ومنها : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه 

وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله ، وذلك هو الشرك في الإلهية [24] .

وانتقد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب هذا البيت قائلاً :

فعظم البوصيري النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يسخطه ويحزنه

فقد اشتد نكيره - صلى الله عليه وسلم - عما هو دون ذلك كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه 

فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق الذي لا يستحقه سواه ؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ 

وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم بقوله :

" وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً " [ الجن : 6 ] ، أي طغياناً 

واللياذ يكون لطلب الخير ، والعياذ لدفع الشر ، فهو سواء في الطلب والهرب [25] .

وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - عن هذا البيت :

فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -

وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . إنا لله وإنا إليه راجعون [26] .

11 - وقال البوصيري :

ولن يضيق رسول الله جاهك بي * * * إذا الكريم تحلى باسم منتقم

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب :

سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله ... إلخ

هذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوهم وهو الجاه والشفاعة عند الله ، وذلك هو الشرك

وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره

فإن الله - تعالى - هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءاً [27] .

12 - وقال أيضا :

فإن من جودك الدنيا وضرتها * * * ومن علومك علم اللوح والقلم

فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وإفضاله ، والجود هو العطاء والإفضال

فمعنى الكلام : أن الدنيا والآخرة له - صلى الله عليه وسلم-

والله - سبحانه وتعالى - يقول : " وإنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأُولَى " [ الليل : 13 ] [28] .

وقوله : ومن علومك علم اللوح والقلم . في غاية السقوط والبطلان

فإن مضمون مقالته أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلم الغيب

وقد قال - سبحانه - :

" قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ " [ النمل : 65 ]

وقال - عز وجل - :

" وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا

ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ " [ الأنعام : 59 ]

والآيات في هذا كثيرة معلومة [29] .

وأخيراً أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع

فإن حق النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يكون بتصديقه فيما أخبر واتباعه فيما شرع ومحبته دون إفراط أو تفريط

وأن يشتغلوا بسماع القرآن والسنة والتفقه فيهما ، فإن البوصيري وأضرابه استبدلوا إنشاد وسماع هذه القصائد

بسماع القرآن والعلم النافع  فوقعوا في مخالفات ظاهرة ومآخذ فاحشة .

وإن كان لا بد من قصائد

ففي المدائح النبوية التي أنشدها شعراء الصحابة - رضي الله عنهم - كحسان وكعب بن زهير ما يغني ويكفي .

اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ إنك حميد مجيد .
________________________

(1) المدائح النبوية ، ص 199 .

(2) يقول ابن كثير - رحمه الله - في البداية والنهاية (4 /373) :

ورد في بعض الروايات أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاه بردته حن أنشده القصيدة

وهذا من الأمور المشهورة جداً ، ولكن لم أر ذلك في شيء ، من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه ؛ فالله أعلم .

(3) انظر مقدمة محقق ديوان البوصيري ، ص 29 .

(4) انظر المدائح النبوية لزكي مبارك ، ص 197 .

(5) مقدمة ديوان البوصيري ، ص 29 ، 30 .

(6) فوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي ، 2/258 .

(7) مجموع الفتاوى ، 11 /598 .

(8) اقتضاء الصراط المستقيم ، 2/692 ، 693 ، باختصار .

(9) انظر ترجمته في مقدمة ديوان البوصيري ، تحقيق محمد سيد كيلاني ، ص 5 - 44

وللمحقق كتاب آخر بعنوان : البوصيري دراسة ونقد .

(10) انظر : الصنعاني في موضوعاته ، ص 46 ح (78) ، والسلسلة والموضوعة للألباني ، 1/299 ، ح (282) .

(11) انظر تفصيل ذلك في كتاب محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرؤوف عثمان ، ص 169 - 196 .

(12) الدرر السنية ، 9/81 ، وانظر 9/48

وانظر : صيانة الإنسان للسهسواني (تعليق محمد رشيد رضا) ، ص 88 .

(13) أخرجه البخاري ، ح /3445 .

(14) انظر القول المفيد ، 1 /376 ، ومفاهيمنا لصالح آل الشيخ ، ص 236 

ومحبة الرسول لعبد الرؤوف عثمان ، ص 208 .

(15) فتح الباري ، 12 /149 .

(16) غاية الأماني للآلوسي ، 2 /349 .

(17) غاية الأماني للآلوسي ، 2/ 350 ، باختصار وانظر الدر النضيد لابن حمدان ، ص 136 .

(18) الرد على الأخنائي ، ص 41 .

(19) رواه أحمد ، ح /4509 ، والترمذي ، ح / 1534 .

(20) التمهيد ، 14/366 ، 367 .

(21) تيسير العزيز الحميد ، ص 22 .

(22) انظر الدرر السنية ، 9 /51 .

(23) انظر الدرر السنية ، 9/49 ، 82 ، 271 .

(24) تيسير العزيز الحميد ، ص 219 ، 220 .

(25) الدرر السنية ، 9/ 80 ، وانظر 9/49 ، 84 ، 193

ومنهاج التأسيس والتقديس لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ، ص 212 .

(26) الدر النضيد ، ص 26 .

(27) تيسير العزيز الحميد ، ص 220 ، وانظر الدرر السنية ، 9/52 .

(28) انظر الدرر السنية ، 49 ، 50 ، 81 ، 82 ، 85 ، 268 .

(29) انظر الدرر السنية ، 9/50 ، 62 ، 81 ، 82 ، 268 ، 277 .

-----------------------------------------------------------------------

د . عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف


الحمد لله الذي هدانا للإسلام 

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

فإن نعم الله عظيمة وآلاءه جسيمة وأعظم النعم قدراً وأجلها منزلة نعمة الإسلام التي منَّ الله بها علينا وخصنا بها

ومع الغزو الإعلامي المكثف وليونة الدين في القلوب ، ظهر على ألسنة البعض أمر خطير ومنكر كبير هو :

سب الله عزّ وجل أو الدين أو النبي محمّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ، وفي هذا الموضوع بيان لعظم الأمر

وخطورته حتى ننصح من نراه يفعل ذلك ونعلمه مواطن الخير وندله على طريق التوبة .

حكم سب الله تعالى أو سب الدين أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو سب الصحابة الكرام
أخي المسلم :

الإيمان بالله مبني على التعظيم والإجلال للرب عزّ وجلّ

ولا شك أن سب الله تعالى والاستهزاء به يناقض هذا التعظيم .
قال ابن القيم - رحمه الله - :

وروح العبادة هو الإجلال والمحبة ، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت

فإذا اقترن بهذين الثناء على المحبوب المعظم ، فذلك حقيقة الحمد والله أعلم .

والسب كما عرفه ابن تيمية : هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف

وهو ما يُفهم منه السبّ في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم ، كاللعن والتقبيح ونحوه .

ولا ريب أن سب الله عزّ وجلّ يُعد أقبح وأشنع أنواع المكفِّرات القولية

وإذا كان الاستهزاء بالله كفراً سواء استحله أم لم يستحله ، فإن السب كفر من باب أولى .

يقول ابن تيمية : إن سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم كفر ظاهراً وباطناً

سواء كان السَّاب يعتقد أن ذلك محرم ، أو كان مستحلاً ، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده .

وقال ابن راهويه :

قد أجمع المسلمون أن من سب الله تبارك وتعالى أو سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

أنه كافر بذلك ، وإن كان مقراً بما أنزل الله .

قال تعالى :

{ إنَّ الذين يُــؤذون الله ورسوله لعلنهم الله في الدُّنيا والآخرة وأعدَّ لهم عذاباً مٌّهيناً .

والَّذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً ميبناً
}

فرَّق الله عزّ وجلّ في الآية بين أذى الله ورسوله ، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات

فجعل على هذا أنه قد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ، وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة وأعد له العذاب المهين

ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجلد ، وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل .

قال القاضي عياض : لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم .

وقال أحمد في رواية عبد الله في رجل قال لرجل : يا بن كذا وكذا - أعني أنت ومن خلقك - :

هذا مرتد عن الإسلام تضرب عنقه .

وقال ابن قدامة : من سب الله تعالى كفر، سواءً كان مازحاً أو جاداً .

• سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز السؤال التالي :

ما حكم سب الدين أو الرب ؟ - أستغفر الله رب العالمين - هل مَنْ سبّ الدين يعتبر كافراً أو مرتداً

وما هي العقوبة المقررة عليه في الدين الإسلامي الحنيف ؟

حتى نكون على بينة من أمر شرائع الدين وهذه الظاهرة منتشرة بين بعض الناس في بلادنا أفيدونا أفادكم الله

فأجب رحمه الله تعالى :

سب الدين من أعظم الكبائر ومن أعظم المنكرات وهكذا سب الرب عزّ وجلّ وهذان الأمران من أعظم نواقض الإسلام

ومن أسباب الردة عن الإسلام ، فإذا كان مَنْ سب الرب سبحانه أو سب الدين ينتسب للإسلام فإنه يكون

مرتداً بذلك عن الإسلام ويكون كافراً يستتاب فإن تاب وإلا قتل من جهة ولي أمر البلد بواسطة المحكمة الشرعية

وقال بعض أهل العلم : إنه لا يستتاب بل يقتل ؛ لأن جريمته عظيمة

ولكن الأرجح أن يستتاب لعل الله تعالى يمن عليه بالهداية فيلزم الحق

ولكن ينبغي أن يعزر بالجلد والسجن حتى لا يعود لمثل هذه الجريمة العظيمة ، وهكذا لو سب القرآن

أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل

فإنَّ سب الدين أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو سب الرب عزّ وجلّ من نواقض الإسلام

وهكذا الاستهزاء بالله أو برسوله صلى الله عليه وسلم أو بالجنة أو بالنار أو بأوامر الله تعالى كالصلاة والزكاة

فالاستهزاء بشيء من هذه الأمور من نواقض الإسلام ، قال الله سبحانه وتعالى :

{ قُل أبالله وءاياته ورسوله كنتم تستهزءون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } نسأل الله العافية .

• وسُئل فضيلة الشيخ محمّد بن عثيمين السؤال التالي :

ما حكم الشرع في رجل سبَّ الدين في حالة غضب هل عليه كفَّارة

وما شرط التّوبة من هذا العمل ، حيث أنّي سمعت من أهل العلم يقولون :

بأنَّك خرجت عن الإسلام في قولك هذا ، ويقولون بأنّ زوجتك حُرّمت عليك ؟

فأجاب فضيلته :

الحكم فيمن سبّ الدين الإسلامي أنه يكفُر ، فإن سب الدين والاستهزاء به ردّة عن الإسلام وكفر بالله عزّ وجلّ وبدينه

وقد حكى الله تبارك وتعالى عن قوم استهزؤوا بدين الإسلام حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون :

إنّما كنا نخوض ونلعب فبين الله عزّ وجلّ أن خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله وأنهم كفروا به

فقال تعالى : ( ولئن سألتهم ليقولنَّ إنّما كنا نخوض ونلعب

قُل أبالله وءايته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم
)

فالاستهزاء بدين الله ، أو سبُّ دين الله ، أو سبُّ الله ورسوله ، أو الاستهزاء بهما ، كفر مخرج عن الملّة . أهـ

واحذر أخي المسلم من مجالسة هؤلاء القوم حتى لا يصيبك إثم وتخل بدارك العقوبة .

• سُئل الشيخ محمّد بن عثيمين السؤال التالي : هل يجوز البقاء لي بين قوم يسبُّون الله عزّ وجلّ ؟

فأجاب رحمه الله : لا يجوز البقاء بين قوم يسبون الله عزّ وجلّ ، لقوله تعالى :

{ وقد نزَّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ءايات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها

فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيره إنَّكُم إذاً مِّثلهم إنَّ الله جامع المنافقين والكافرين إلى جهنَّم جميعاً
} .

حكم سب الرسول صلى الله عليه وسلم :

للرسول صلى الله عليه وسلم منزلة عظيمة في نفوس أهل الإيمان

فقد بلَّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده ونحن نحب الرسول صلى الله عليه وسلم

كما أمر ، محبةً لا تخرجه إلى الإطراء أو إقامة البدع التي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها وحذّر منها .

بل له المكانة السامية والمنزلة الرفيعة نطيعه فيما أمر ، ونجتنب ما نهى عنه وزجر .

ولنحذر من سب الرسول صلى الله عليه وسلم

فإن ذلك من نواقض الإيمان ، التي توجب الكفر ظاهراً وباطناً سواءً استحل ذلك فاعله أو لم يستحله .

يقول ابن تيمية : إن سب الله تعالى أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم كفر ظاهراً وباطناً

سواء كان السب يعتقد أن ذلك محرم ، أو كان مستحلاً له ، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده .

والأمر في ذلك يصل إلى حتى مجرد لمز النبي صلى الله عليه وسلم في حكم أو غيره ، كما قال رحمه الله :

فثبت أن كل من لمز النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه أو قَسمه فإنه يجب قتله كما أمر به صلى الله عليه وسلم

في حياته وبعد موته .

فاحذر أخي المسلم من هذا المزلق الخطر والطريق السيء وتجنب ما يغضب الله عزّ وجلّ .

سب الصحابة :

الصحابة هم صحابة رسول اله صلى الله عليه وسلم ورفقاء دعوته الذين أثنى الله عزّ وجلّ عليهم

في مواضع كثيرة من القرآن قال تعالى : { والسَّابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والَّذين اتَّبعوهم بإحسان

رَّضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنَّات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم
  }

وقال تعالى :

{
مُحمَّدٌ رسول الله والَّذين معه أشداء على الكفار رُحماء بينهم تراهم رُكّعاً سُجَّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً }

ومن سبهم بعد هذه الآيات فهو مكذب بالقرآن ،
والواجب نحوهم محبتهم والترضي عنهم والدفاع عنهم

ورد من تعرض لأعراضهم ولا شك أن حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان

وقد أجمع العلماء على عدالتهم ، أما التعرض لهم وسبهم وازدراؤهم

فقد قال ابن تيمية : إن كان مستحلاً لسب الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهو كافر .

وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله :

«
من سبَّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » [ السلسلة الصحيحة 2340 ]

وقال صلى الله عليه وسلم : « لا تسبوا أصحابي ، لا تسبوا أصحابي

فوالذي نفسي بيده لو أن أحداً أنفق مثل أُحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه
»[ رواه البخاري ]

وسُئل الإمام أحمد عمن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم أجمعين فقال : ما أراه على الإسلام .

وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى :

من شتم أحداً من أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص

فإن قال كانوا على ضلال وكفر قُتل .

قال الشيخ محمّد بن عبد الوهاب :

فمن سبهم فقد خالف ما أمر الله تعالى من إكرامهم ومن اعتقد السوء فيهم كلهم أو جمهورهم

فقد كذّب الله تعالى فيما أخبر من كمالهم وفضلهم ومكذبه كافر .

أما من قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها

فإنَّه كذّب بالقرآن الذي يشهد ببراءتها فتكذيبه كفر والوقيعة فيها تكذيب له

ثم إنها رضي الله تعالى عنها فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، والوقيعة فيها تنقيص له ، وتنقيصه كفر .

قال ابن كثير عند تفسيره قوله تعالى :

{ إنَّ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدُّنيا والآخرة ولهم عذابٌ عظيمٌ }

وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى قاطبة

على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية ، فإنه كافر ، لأنه معاند للقرآن .

ساق اللالكائي بسنده أن الحسن بن زيد لما ذَكَرَ رجل بحضرته عائشة بذكر قبيح من الفاحشة فأمر بضرب عنقه

فقال له العلويون : هذا رجل من شيعتنا

فقال : معاذ الله ، هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الله عزّ وجلّ : { الخبيثاتُ للخبيثين

والخبيثون للخبيثات والطّيِّباتُ للطّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مُبرَّئون ممّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ
}

فإن كانت عائشة رضي الله تعالى عنها خبيثة فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث - حاشاه صلى الله عليه وسلم -

فهو كافر فاضربوا عنقه ، فضربوا عنقه .

أخي المسلم :

إنَّ سب الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستلزم تضليل أمة محمد صلى الله عله وسلم

ويتضمن أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة شرارها وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام

اللهم ارزقنا حبك وحبّ دينك وكتابك ونبيك صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا

وصلى الله على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

------------------------------------------------------------------

لـ : عبد الملك القاسم


السؤال :

ما حكم تسييد النبي صلى الله عليه وسلم أي قولنا : " سيدنا محمد " ؟

حكم تسييد النبي صلى الله عليه وسلم أي قولنا : " سيدنا محمد "

الجواب :

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة " { مسلم ( 2278 ) }

ونحن نؤمن بذلك ، فإذا قال قائل : سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد قال حقًا

ولكن لا يجوز لنا أن نأتي بلفظ " سيدنا " في الأدعية والأذكار المشروعة

مثل : الأذان ، والتشهد ، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فيه

لأنها وردت عنه صلى الله عليه وسلم بدون لفظ " سيدنا " واتباعه واجب

وزيادة هذا اللفظ ونحوه مخالفة له صلى الله عليه وسلم

وقد قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني )

وقال : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )
------------------------------------------------

الشيخ محمد صفوت نور الدين - الشيخ صفوت الشوادفي - د.جمال المراكبي

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .

بدايةً من هو صاحب البردة ؟

وأما عن التعريف بصاحب البردة

فهو : محمد بن سعيد بن حمّاد الصنهاجي البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر

ولد سنة ( 608 هـ ) ، واشتغل بالتصوُّف ، وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة

ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً ، كما لم يكن عابداً صالحاً

حيث كان ممقوتاً عند أهـل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، كما أنه كثير السؤال للناس

ولذا كان يقف مع ذوي السلطان مؤيداً لهم ، سواء كانوا على الحق أم على الباطل .

ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها

كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها !

توفي البوصيري سنة 695 هـ وله ديوان شعر مطبوع  . " ا.هـ

ماذا تعرف عن قصيدة البردة


ماذا تعرف عن قصيدة البردة ؟

هذه القصيدة للشاعر البوصيري مشهورة بين الناس ولا سيما بين الصوفيين .

ولو تدبرنا معناها لرأينا فيها مخالفات للقرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم !

يقول في قصيدته :

1- يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العمم

يستغيث الشاعر بالرسول صلى الله عليه وسلم ويقول له : لا أجد من ألتجئ إليه عند نزول الشدائد العامة إلا أنت 

وهذا من الشرك الأكبر الذي يُخلد صاحبه في النار إن لم يتب منه

لقوله تعالى : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } [ يونس : 106 ]

( أي المشركين ) لأن الشرك ظلم عظيم .

وقوله صلى الله عليه وسلم :{ من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار } رواه البخاري . ( الند : المثيل )

2- فإن من جودك الدنيا وضرتها * * * ومن علومك علم اللوح والقلم

وهذا تكذيب للقرآن الذي يقول الله فيه : { وإن لنا للآخرة والأولى }

فالدنيا والآخرة هي من الله ومن خلْقِهِ ، وليست من جود الرسول صلى الله عليه وسلم وخلقه

والرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما في اللوح المحفوظ ، إذ لا يعلم ما فيه إلا الله وحده

وهذا إطراء ومبالغة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول

وأنه يعلم الغيب الذي في اللوح المحفوظ بل إن ما في اللوح من علمه

وقد نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإطراء فقال :

{ لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله } رواه البخاري .

3- ما سامني الدهر ضيماً واستجرت به * * * إلا ونلت جواراً منه لم يُضَم

يقول : ما أصابني مرض أو همٌّ وطلبت منه الشفاء أو تفريج الهم إلا شفاني وفرَّج همي .

والقرآن يحكي عن إبراهيم عليه السلام قوله عن الله عز وجل : { وإذا مرضتُ فهو يشفين } [ الشعراء : 80 ]

والله تعالى يقول : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } [ الأنعام : 17 ]

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول :

{ إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله } رواه الترمذي وقال حسن صحيح .

4- فإن لي منه ذمة بتسميتي محمداً * * * وهو أوفى الخلق بالذمم

يقول الشاعر : إن لي عهداً عند الرسول أن يدخلني الجنة ، لأن اسمي محمداً ومن أين له هذا العهد ؟

ونحن نعلم أن كثيراً من الفاسقين والشيوعيين من المسلمين اسمه محمد

فهل التسمية بمحمد مُبرر لدخولهم الجنة ؟

والرسول صلى الله عليه وسلم قال لبنته فاطمة رضي الله عنها :

{ سليني من مالي ما شِئْتِ ، لا أُغني عنك من الله شيئاً } رواه البخاري .

5- لعل رحمة ربي حين يقسمها * * * تأتي على حسب العصيان في القسم

وهذا غير صحيح ، فلو كانت الرحمة تأتي قسمتها على قدر المعاصي كما قال الشاعر

لكان على المسلم أن يزيد في المعاصي حتى يأخذ من الرحمة أكثر ، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل

ولأنه مخالف قول الله تعالى : { إن رحمت الله قريب من المحسنين } [الأعراف:56] .

والله تعالى يقول :

{ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } [ الأعراف : 156 ]

6- وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من * * * لولاه لم تخرج الدنيا من العدم

الشاعر يقول لولا محمد صلى الله عليه وسلم لما خُلقت الدنيا

والله يكذبه ويقول : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [ الذاريات : 56 ]

وحتى محمد صلى الله عليه وسلم خُلق للعبادة وللدعوة إليها

يقول الله تعالى : { وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين } [ الحجر : 99 ]

7- أقسمت بالقمر المنشق إن له * * * من قلبه نسبة مبرورة القسم

الشاعر يقسم ويحلف بالقمر

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : { من حلف بغير الله فقد أشرك } حديث صحيح رواه أحمد

ثم يقول الشاعر يخاطب الرسول قائلاً :

8- لو ناسبتْ قدرَه آياتُه عِظَماَ * * * أحيا اسمه حين يُدعى دَارِسَ الرِمَمِ

ومعناه :

لو ناسبتْ معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم قدره في العِظَم

لكان الميت الذي أصبح بالياً يحيا وينهض بذكر اسم الرسول صلى الله عليه وسلم

وبما أنه لم يحدث هذا ، فالله لم يُعط الرسول صلى الله عليه وسلم حقه من المعجزات

فكأنه اعتراض على الله حيث لم يعط رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه !!

وهذا كذب وافتراء على الله ، فالله تعالى أعطى كل نبي المعجزات المناسبة له

فمثلاً أعطى عيسى عليه السلام معجزة إبراء الأعمى والأبرص وإحياء الموت

وأعطى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة القرآن الكريم ، وتكثير الماء والطعام وانشِقاق القمر وغيرها .

ومن العجيب أن بعض الناس يقولون :

إن هذه القصيدة تسمى بالبردة وبالبُرأة لأن صاحبها كما يزعمون مرض فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم

فأعطاه جبته فلبسها فبرىء من مرضه - وهذا كذب وافتراء- حتى يرفعوا من شأن هذه القصيدة

إذ كيف يرضى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام المخالف للقرآن ولهديه صلى الله عليه وسلم

وفيه شرك صريح .

علماً بأن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ما شاء الله وشِئْتَ 

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : { أجعلتني لله نداً ؟ قل ما شاء الله وحده } رواه النسائي بسند جيد .

والند : المثل والشريك .

فاحذر يا أخي المسلم من قراءة هذه القصيدة وأمثالها المخالفة للقرآن وهدي الرسول عليه الصلاة والسلام

والعجيب أن في بعض بلاد المسلمين من يُشَيع بها موتاهم إلى القبور فيضمون إلى هذه الضلالات بدعة أخرى

حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصمت عند تشييع الجنائز ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

-------------------------------------------------------

نقلاً من كتاب ( معلومات مهمة عن الدين ) للشيخ محمد جميل زينوا

هل أبو الحسن الأشعري في عداد أهل السنة ، أم أنه في عداد الفرق المبتدعة ؟

أبو الحسن الأشعري : هل هو في عداد أهل السنة ، أم أنه في عداد الفرق المبتدعة ؟

الجواب :

أبو الحسن الأشعري هو علي بن إسماعيل بن إسحاق يتصل نسبه بالصحابي الجليل أبي موسى الأشعري

إمام متكلم ، بدأ حياته العلمية على مذهب المعتزلة يعتنقه ويناظر عليه متأثرًا بأستاذه أبي علي الجبائي

شيخ المعتزلة في عصره ، ثم هجر مذهب المعتزلة وناظرهم وأبطل الكثير مما زيفوه 

حتى قال الخطيب البغدادي عنه :

كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر اللَّه الأشعري فحجزهم في أقماع السمسم .

ولكنه مع مناصرته للسنة وقمعه للبدعة كان يتبع في ذلك منهج علماء الكلام

وكل من تابع الأشعري واعتنق مذهبه من العلماء يلتزم هذه الطريقة ويقررها حتى يومنا هذا

ومناهج التوحيد والاعتقاد التي يتم تدريسها في الأزهر على هذا المنهج .
ثم هدى اللَّه الأشعري فأعلن التمسك بالسنن ونبذ الكلام ، مقتديـًا في ذلك بالإمام أحمد بن حنبل

كما قرر ذلك في كتابه (( الإبانة عن أصول الديانة )) ، وهو من آخر ما كتب ، رحمه اللَّه .
ومما قيل في سبب توبته ورجوعه إلى الحق أنه قال :

وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد ، فقمت وصليت ركعتين 

وسألت اللَّه تعالى أن يهديني الطريق المستقيم ، ونمت فرأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المنام

فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر ، فقال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( عليك بسنتي )) .

فانتبهت ، وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار - أي السنن والأحاديث -

فأثبته ونبذت ما سواه ورائي ظهريـًّا .

قال ابن كثير - رحمه الله - :

ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال :


أولها : حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة .

الحال الثاني : إثبات الصفات العقلية السبعة وهي : الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام

وتأويل الصفات الخبرية ؛ كالوجه ، واليدين ، والقدم ، والساق .. ونحو ذلك .

والحال الثالث : إثبات ذلك كله - أي إثبات جميع صفات اللَّه عز وجل الثابتة بالقرآن وبصحيح السنة -

من غير تكييف ولا تشبيه جريـًا على منوال السلف ، وهي طريقته في (( الإبانة )) التي صنفها آخرًا . اهـ .

خاتمة :

ليت الأشاعرة يعودون إلى الحق الذي عاد إليه إمامهم

ويقولون بما قاله آخرًا من إثبات الصفات من غير تمثيل ولا تكييف .

وليت الأزهر يقرر على طلابه منهج السلف الصالح في الاعتقاد في باب الصفات

وليكن كتاب (( الإبانة )) مقررًا في مراحل التعليم الأزهري .

وفق اللَّه الجميع للسداد .

------------------------------------------------

الشيخ محمد صفوت نور الدين - الشيخ صفوت الشوادفي - د.جمال المراكبي


إن المتأمل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

يتبين له بوضوح أنه قد بالغ في حماية جناب التوحيد أيما مبالغة وحذر وأنذر وتوعد كل من فتح بابًا للشرك

ذلك أن عقيدة التوحيد هي ركن هذا الدين الركين وقطب رحاه الأعظم

ومن ثم كان حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على سد جميع أبواب الشرك وذرائعه .

اتخاذ القبور مساجد وشبهة وجود قبره صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي

حرمة اتخاذ القبور مساجد :

ومن هذا الباب نهيه صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد بل ووعيده الشديد لكل من فعل ذلك

والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا ، فمنها :

1- أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه :

( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)

قالت : فلولا ذلك أبرز قبره غير أن يخشي أن يتخذ مسجدًا . [1]

قال الحافظ ابن حجر :

( وكأنه صلى الله عليه وسلم علم أنه مرتحل من ذلك المرض

فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى ، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم ) [2]

فعلم بهذا أنه لا يجتمع في شرع الله سبحانه وتعالى مسجد وقبر .

2-  وثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ليال :

( إن أمن الناس عليَّ في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلًا

ولكن صاحبكم خليل الله ، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر

إن من كان قبلكم يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) [3]

3-  وفي الصحيحين عنه أنه ذكر له في مرضه كنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها وتصاوير فيها فقال :

( إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا ، وصورًا فيها تلك التصاوير

أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) [4]

قال الحافظ ابن رجب في " فتح الباري " :

( هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى

ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراده فتصوير صور الآدميين يحرم وبناء القبور على المساجد بانفراده

يحرم ، كما دلت عليه نصوص أخر يأتي ذكر بعضها ) [5]

4-   وفي المسند وغيره عنه صلى الله عليه وسلم قال :

( وشرار الناس الذين تدركهم الساعة أحياء ، والذين يتخذون قبورهم مساجد ) [6]

5-   وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) [7]

6-   وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :

( اللهم لا تجعل قبري وثنًا ، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) [8]

وقد قال الله تعالى في كتابه عن المشركين من قوم نوح عليه السلام :

{ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } [ نوح : 23 ]

قال مقاتل وغيره من السلف :

( كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح ، وكان لهم تبع يقتدون بهم ، فلما ماتوا زين لهم إبليس أن يصوروا صورهم

ليتذكروا بها اجتهادهم، وليتسلوا بالنظر إليها فصورهم ، فلما ماتوا هم وجاء آخرون 

قالوا :  ليت شعرنا ، هذه الصور ما كان آباؤنا يصنعون بها ؟

فجاءهم الشيطان فقال :

كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر، فعبدوها فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت ) [9]

فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد ليسد باب الشرك

كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ

والشيطان يقارنها وقت الطلوع ووقت الغروب فتكون في الصلاة حينئذ مشابهة لصلاة المشركين ؛ فسد هذا الباب

اتخاذ القبور مساجد وشبهة وجود قبره صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي

شبهة وجوابها :

وبإزاء هذه البراهين الواضحة والحجج النبوية الدامغة فإن هناك من يطلقون بعض الشبهات الواهية

التي يحتجون بها على تبرير مخالفتهم الصريحة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم

ويحاجون بها عن بنائهم المساجد على أضرحة الأموات .

ومن هذه الشبهات احتجاجهم بوجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي

مع إطباق الأمة كافة على أفضلية الصلاة في ثاني الحرمين الشريفين .

والجواب على هذه الشبهة كما يلي :

أولاً :

إطباق الأئمة كافة ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة على حرمة اتخاذ القبور مساجد

بالرغم من وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي .

وأعرض فيما يلي نبذا من أقوال أصحاب المذاهب الأربعة في حكم اتخاذ القبور مساجد :

1-   مذهب الشافعية أنه كبيرة :-

قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في " الزواجر عن اقتراف الكبائر" :

( الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون :

اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها ) [10]

2- مذهب الحنفية الكراهة التحريمية :

فقال الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة في كتابه " الآثار" :

( لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجدًا ) [11]

والكراهة عند الحنفية إذا أطلقت فهي للتحريم ، كما هو معروف لديهم

قال العلامة ابن الملك من علماء الحنفية :

( إنما حرم اتخاذ المساجد عليها ، لأن الصلاة فيها استنانًا بسنة اليهود ) [12]

3-   مذهب المالكية التحريم :-

قال القرطبي في تفسيره بعد أن ذكر الحديث الثالث المتقدم :

( قال علماؤنا : وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد ) [13]

4-   مذهب الحنابلة التحريم :-

ومذهب الحنابلة التحريم أيضًا كما في " شرح المنتهى " [14] وغيره 

بل نص بعضهم على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور ، ووجوب هدمها

فقال ابن القيم في صدد بيان ما تضمنته غزوة تبوك من الفقه والفوائد ، وبعد أن ذكر قصة مسجد الضرار

الذي نهى الله تبارك وتعالى نبيه أن يصلي فيه ، وكيف أنه صلى الله عليه وسلم هدمه وحرقه قال :

( ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيها وهدمها

كما حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه ، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه

لما كان بناؤه ضررًا وتفريقًا بين المؤمنين ، ومأوى للمنافقين ، وكل مكان هذا شأنه

فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم أو تحريق ، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له ...

وعلى هذا ،،،

فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد ، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره

فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر ، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق

فلو وضعا معًا لم يجز ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز ولا تصح الصلاة في هذا المسجد

لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا أو أوقد عليه سراجًا

فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه وغربته بين الناس كما ترى ) [15]

فتبين مما نقلناه عن العلماء ،،،

أن المذاهب الأربعة متفقة على ما أفادته الأحاديث المتقدمة من تحريم بناء المساجد على القبور

وقد نقل اتفاق العلماء على ذلك أعلم الناس بأقوالهم ومواضع اتفاقهم واختلافهم

ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، فقد سئل رحمه الله بما نصه :

هل تصح الصلاة على المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا ؟

وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط ؟

فأجاب :

الحمد لله ، اتفق الأئمة أنه لا يُبنى مسجد على قبرٍ ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك ) [16]

وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد ، فإن كان المسجد قبل الدفن غُـيِّـر إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدًا

وإن كان المسجد بُنيَ بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما تزال صورة القبر

فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه ) [17]

 وقال ابن تيمية في " الاختيارات العلمية " :-

( ويحرم الإسراج على القبور واتخاذ المساجد عليها وبينها

ويتعين إزالتها ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين ) [18]

ونقله ابن عروة الحنبلي في " الكواكب الدراري " [19] وأقره .

ثانياً :

أن وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي الشريف وإن كان هو المشاهد اليوم

فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة رضي الله عنهم

فإنهم لما مات النبي صلى الله عليه وسلم دفنوه في حجرته التي كانت بجانب مسجده

وكان يفصل بينهما جدار فيه باب كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منه إلى المسجد

وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء ولا خلاف في ذلك بينهم

والصحابة رضي الله عنهم حينما دفنوه صلى الله عليه وسلم في الحجرة

إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجدًا ، كما سبق بيانه في حديث عائشة [20] وغيره .

ولكن وقع بعدهم ما لم يكن في حسبانهم ،،،

ذلك أن الوليد بن عبد الملك أمر سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي

وإضافة حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فأدخل فيه الحجرة النبوية حجرة عائشة

فصار القبر بذلك في المسجد [21] ، ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة حينذاك خلافًا لما توهم بعضهم .

قال العلامة الحافظ محمد ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي " :-

( وإنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك ، بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة

وكان آخرهم موتًا جابر بن عبد الله ، وتوفي في خلافة عبد الملك فإنه توفي سنة ثمان وسبعين

والوليد تولى سنة ست وثمانين ، وتوفي سنة ست وتسعين ، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك .

وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في " كتاب أخبار المدينة " مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم

عن أشياخه عمن حدثوا عنه :-

أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين

هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة بالساج وماء الذهب

وهدم حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه ) [22]

يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة

وإن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته صلى الله عليه وسلم

قال ابن حجر في شرح حديث عائشة المتقدم : ( قوله : ( لأبرز قبره )

أي : لكشف قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد الدفن خارج بيته

وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد النبوي، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة

حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة ) [23]

فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة

لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه

وهو مخالف أيضًا لصنيع عمر وعثمان حين وسعا المسجد ، ولم يدخلا القبر فيه .

ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه ولئن كان مضطرًّا إلى توسيع المسجد

فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة

وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو رضي الله عنه بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى

ولم يتعرض للحجرة بل قال : ( إنه لا سبيل إليها ) [24]

فأشار رضي الله عنه إلى المحذور الذي يترقب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد .

ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين

فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئًا ما فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم

قال النووي في " شرح مسلم " :

( ولما احتاج الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون

وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه

ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور

ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ) [25] .

ونقل الحافظ ابن رجب في " الفتح " [26] نحوه عن القرطبي كما في " الكواكب " [27]

وذكر ابن تيمية في " الجواب الباهر " :

( أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سد بابها 

وبني عليها حائط آخر صيانة له صلى الله عليه وسلم أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنًا ) [28]

ويظهر من هذا أنه لا حجة إطلاقًا لقول من قال بجواز اتخاذ القبور مساجد بناء على وجود قبر النبي

صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي، فإن هذا لم يكن من فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

فلم يقروه أو يريدوه ، بل حرصوا أشد الحرص على اتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم

كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه ، فيما أخرجه ابن زنجويه عن عمر مولى غفرة قال :

لما ائتمروا في دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قائل : ندفنه حيث كان يصلي في مقامه

وقال أبو بكر : معاذ الله أن نجعله وثنًا يعبد

وقال الآخرون : ندفنه في البقيع حيث دفن إخوانه من المهاجرين

قال أبو بكر : إنا نكره أن يخرج قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع

فيعوذ به من الناس مَن لله عليه حق، وحق الله فوق حق رسوله صلى الله عليه وسلم

فإن أخرناه ضيعنا حق الله ، وإن أخفرناه أخفرنا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم

قالوا : فما ترى أنت يا أبا بكر ؟

قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما قبض الله نبيًّا قط إلا دفن حيث قبض روحه )

قالوا : فأنت والله رضي مقنع ، ثم خطوا حول الفراش خطًّا ثم احتمله عليٌّ والعباس والفضل وأهله

ووقع القوم في الحفر يحفرون حيث كان الفراش ) [29]

اتخاذ القبور مساجد وشبهة وجود قبره صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي

أفضلية المسجد النبوي باقية :

إن أقل أقوال أهل العلم في حكم الصلاة في المساجد التي يوجد بها قبور هو القول بكراهة الصلاة فيها

وهذا يعم كل المساجد كبيرها وصغيرها قديمها وحديثها لعموم الأدلة فلا يستثنى من ذلك مسجد فيه قبر

إلا المسجد النبوي الشريف لأن له فضيلة خاصة لا توجد في شيءٍ من المساجد على القبور

وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ) [30]

ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضًا : ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ) [31] ، ولغير ذلك من الفضائل .

فلو قيل بكراهة الصلاة فيه كان معنى ذلك تسويته مع غيره من المساجد ورفع هذه الفضائل عنه

وهذا لا يجوز كما هو ظاهر ، قال ابن تيمية في كتابه " الجواب الباهر في زوار المقابر " :

( والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقًا ، بخلاف مسجده صلى الله عليه وسلم

فإن الصلاة فيه بألف صلاة ، فإنه أسس على التقوى وكانت حرمته في حياته صلى الله عليه وسلم

وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه ، وإنما أدخلت بعد انقراض عصر الصحابة ) [32]

ثم قال :

( وكان المسجد قبل دخول الحجرة فيه فاضلًا وكان فضيلة المسجد بأن النبي صلى الله عليه وسلم بناه لنفسه

وللمؤمنين يصلي لله هو والمؤمنون إلى يوم القيامة ، ففضل بنيانه له ، فكيف وقد قال :

( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )[33]

وقد قال :

( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ) [33]

وقال :

( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد :

المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى ) [34]

وهذه الفضيلة ثابتة له قبل أن يدخل فيه الحجرة ، فلا يجوز أن يظن أنه صار بدخول الحجرة فيه أفضل مما كان

وهم لم يقصدوا دخول الحجرة فيه، وإنما قصدوا توسيعه بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

فدخلت الحجرة فيه ضرورة مع كراهة من كره ذلك من السلف ) [35]

ثم قال :

( ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن له فضيلة إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه والمهاجرون والأنصار

وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد بن عبد الملك لما أدخل الحجرة في مسجده

فهذا لا يقوله إلا جاهل مفرط في الجهل أو كافر، فهو مكذب لما جاء عنه مستحق للقتل

وكان الصحابة يدعون في مسجده كما كانوا يدعون في حياته

لم تحدث لهم شريعة غير الشريعة التي علمهم إياها في حياته

بل نهاهم أن يتخذوا قبره عيدًا، أو قبر غيره مسجدًا يصلون فيه لله عز وجل ليسد ذريعة الشرك

فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا، وجزاه أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته ، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة

ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه ) [36]



[1] متفق عليه ، رواه البخاري ، كتاب الجنائز ، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، (1265)

ومسلم ، كتاب المساجد

باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد ، (1212)

[2] فتح الباري ، ابن حجر، (1/532)

[3] رواه مسلم ، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، (6320)

[4] متفق عليه

رواه البخاري ، كتاب أبواب المساجد ، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد (417)

ومسلم ، كتاب المساجد

باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد (1209)

[5] فتح الباري ، ابن رجب ، (2/404).

[6] رواه أحمد ، (4342) ، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند : حسن لغيره

[7] رواه مسلم ، كتاب الجنائز ، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه ، (2294)

[8] رواه أحمد ، (7358) ، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند : إسناده قوي

[9] تفسير القرطبي ، (18/308)

[10] الزواجر عن اقتراف الكبائر ، ابن حجر الهيتمي ، (1/120)

[11] الآثار ، محمد بن الحسن الشيباني ، ص (45)

[12] المرقاة، الشيخ القاري، (1/470)

[13] تفسير القرطبي ، (10/38)

[14] شرح المنتهى ، محمد بن أحمد الفتوحي ، (1/353)

[15] زاد المعاد ، ابن القيم ، (3/22)

[16] تقدم تخريجه

[17] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، (1/107 و2/192 و22/195)

[18] الاختيارات العلمية ، ابن تيمية ، ص(52).

[19] الكواكب الدراري، ابن عروة الحنبلي، (2/244).

[20] تقدم تخريجه.

[21]انظر: تاريخ ابن جرير (5/22223)، وتاريخ ابن كثير، (9/7475)

[22] الصارم المنكي ، ابن عبد الهادي ، ص (136)

[23] فتح الباري ، ابن حجر ، (3/200)

[24] انظر: طبقات ابن سعد، (4/21)، وتاريخ دمشق، ابن عساكر، (8/478).

[25] شرح صحيح مسلم، النووي، (5/14).

[26] فتح الباري، ابن حجر، (2/443).

[27] الكواكب الدراري ، للكرماني ، (65/91)

[28] مخطوطة الجواب الباهر ، ابن تيمية ، (ق9/2)

[29] رواه أبو يعلى في مسنده ، (4962) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ، (8/605) :

وفي إسناد أبي يعلى عويد بن أبي عمران وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور ، وقال بعضهم : متروك

[30] متفق عليه ، رواه البخاري ، كتاب أبواب التطوع ، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1133)

ومسلم ، كتاب الحج ، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة ، (3441)

[31] متفق عليه ، رواه البخاري ، كتاب أبواب التطوع ، باب فضل ما بين القبر والمنبر ، (1137)

ومسلم ، كتاب الحج ، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة ، (3434)

[32] الجواب الباهر ، ابن تيمية ، (ق22/1-2)

[33] تقدم تخريجه

[34] متفق عليه ، رواه البخاري، كتاب أبواب التطوع ، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1132)

ومسلم ، كتاب الحج ، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، (3450)

[35] الجواب الباهر ، ابن تيمية ، (67/169/2) .

[36] المصدر السابق ، (67/169/2)



كتبه / د.فريد مناع  - موقع الصـوفية