a

Showing posts with label أخلاق وتزكية. Show all posts
Showing posts with label أخلاق وتزكية. Show all posts


إن الإيمان الحقَّ بالله إذا استحكم في القلب استحكامًا صادقًا

قذَفَ الله في ذلك القلب نورًا يشعُّ على صاحبه ، وهداية تدفعه لكلِّ خير

وإحساسًا يجعله يشعر بمن هم في حاجةٍ وكرب ، وهَمًّا يجعله يشعر بهموم الآخَرين من حوله


بل ويتعدَّى ذلك إلى أن هذا الإيمان الصادق والمعرفة الحقَّة بالله تصل بالعبد إلى أن يكون عبدًا ربانيًّا

يتكلم بكلام الله ، وينطق برحمات الله ، ويسعى إلى رحمة عباد الله ، ويتحوَّل إلى كتلة من النُّور

وشعاعٍ يشعُّ به على الناس بكل الخير ، وعظيم السرور ، فيلين الجانب ، ويُساعد المحتاج ، ويُطبِّب العليل

ويَصنع الخير ، ويُغلق الشَّر ، ويتحول إلى منارةٍ وشامة وعلامةٍ في دنيا أصابها الزمان بعطَبٍ في نفوسِ كثيرٍ من الناس


فصارت قاسية لا تتأثَّر ، ولا تتحرَّك حتى في مجرد محاولة تغيير النَّفس إلى ما فيه خيريَّتُها قبل خيرية الآخرين .


دعاء و رجاء :

اللهم ارزقنا إيمانًا حقًّا ، وصدقًا ، واجعلنا شامة وعلامة ، وأئمةً في كل ميدان ، ولا تجعلنا من القاسية قلوبُهم .

قال تعالى في سورة المؤمنون :

" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ *

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ

فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ *

أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
[ المؤمنون : 1- 11 ] 

وقد منهجَت الآيات كوكبةً رائعة جميلة لبعض مقتضيات الإيمان وشرطيَّة الحصول على الفلاح الذي به وعد الكريمُ

الرحمن - سبحانه ذو الجلال والإكرام - وهي :-


هلموا نزدد إيمانًا ..!
خشوعٌ في الصلاة .

إعراض عن اللَّغو .

إيتاء للزكاة .

حفظ للفروج - إلا على الحلال -

الذي أباحه الله من الزَّوجات وما ملكَت الأيمان .

رعاية وحفظ للأمانات .

محافظةٌ على الصلوات .

 روي عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قوله لأصحابه : " هلمُّوا نزدَدْ إيمانًا " .

وكان سيدنا عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - يدعو فيقول : " اللهم زِدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا " .

الإخلاص طريقُ المؤمنين

والإخلاص عند المؤمنين طريقٌ لا غنى عنه؛ فهُم يجعلون الله غايتهم ومقصدهم من كلِّ صغيرة وكبيرة

يسعون ويعملون ، ويصلُّون ويعبدون ، ويفعلون الخيرات ؛ من أَجْل أن يرضى الله - وحده - عنهم

فهو المقصد من نيَّاتِهم وكل تحرُّكاتهم ، فهم قد فقهوا قول نبيِّهم : " إنَّما الأعمال بالنيَّات ، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى ... "

خلاصة :

 إنْ كتب الله لعبده الإخلاص كُتب - بإذنه تعالى - مِن المؤمنين .

رجاء :

 اللهم اجعل أعمالَنا لك خالصة ، ولوجهك متَّجِهة ، وعندك مُتقبَّلة ، وارزقنا بحقِّها رضاك .

صلاة المؤمنين :

إن المؤمنين في صلاتهم يخشعون ، وعليها دائمًا يحافظون .

إنَّها المُجاهَدة الضرورية التي يُمارسها المؤمنون في صلواتهم حتى اتَّصفوا بصفة المؤمنين .

فالخشوع في الصلاة ، والمحافظة عليها ..

ما هُما إلا تذلُّل للخالق ، وخوفٌ من شديد البطش ، وسُكونٌ إلى الرحمن الرحيم .

والخشوع في الصلاة ، والمحافظة عليها ..

ما هما إلا ثمرة لممارسات سبقَتْهما حتى أدَّت إليهما ، ووصفت المؤمنين بوصفيهما .

هكذا خشعوا ، وهكذا عليها حافظوا :

استحضروا جلال الله وهيبتَه وعظَمتَه عند سماع صوت المؤذِّن يعلو : " الله أكبر"

وآمَنوا أنه سبحانه أكبَرُ مِن كلِّ عمل يمارسونه في وقت صلاتهم

فتركوا الأعمال ، وشدُّوا إلى الله الرحال ، وإلى مُصلاَّهم وقبلتهم .

جلسوا باطمئنانٍ ، يستبشرون ببيعهم الذي بايعوا ؛ فلِقاء الجليل حان ، والأبواب فُتحت من الجنان

والهرب الأكيد للشيطان كان ، وإذا قضى الله الأجَل كان منه الرِّضا ، وحُسن الختام .

استجمعوا تفكيرهم وطاقاتهم مع الإمام ، وتدبروا الآيات ، فوجدوا وعدًا ووعيدًا استدعى تعوُّذَهم منه

ووجدوا جنة ونعيمًا استدعى شوقهم وطلبهم وسؤالَهم .

قلَّلوا من حركات الجسد أثناء الصلاة

وعلموا أنَّ من خشع قلبه خشعَتْ جوارحُه ، وسكنت عن الحركة ، وصارت معلَّقة بأعالي الجنان .

استحضروا أنَّ هذه الصلاة التي يصلُّونها هي آخر ما سيكون من صلاةٍ ، فجعَلوها صلاةَ توديعٍ ووداع .

أغلقوا هواتفهم المحمولة ؛ لإيمانهم بأنَّ الصلاة صلة بالله ، ومع الله ، ويجب قَطْع غيرها من الاتِّصالات مع الناس .

نظروا محلَّ سجودهم ، ولم يلتفتوا يَمْنَة ولا يَسْرة ، وكأن على رؤوسهم طيرًا .

المحاسبة سَمْت المؤمنين :

ازداد المؤمنون إيمانًا بأن عاشوا عيش الصَّالحين الربانيِّين ، فداوموا على محاسبة أنفسهم حسابًا شديدًا

لإيمانهم بأنَّها الدواء من كل داء ، والشِّفاء من كل سقم وبلاء ، والمطهِّرة للبدن

والرَّافعة للشأن والقَدْر عند مليك مقتدِر ، بل عند كلِّ البشر ، وانتبهوا بأن الأيام مُسرعةُ

والشهر والشهران يتبع بعضهما بعضًا ، وكأنهما ينطويان طيًّا .

فكانت محاسبتهم شاملة لكلِّ مجريات اليوم من أمور تتعلَّق برب الجلال ، وأُخرى تتعلق بعباده - سبحانه وتعالى -

متذكِّرين في ذلك إمام التقوى عليَّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - عندما سُئل عن التقوى : ما التَّقوى يا إمام ؟

فقال : " هي الخوف من الجليل ، والعمل بالتَّنْزيل ، والقناعة بالقليل ، والاستعداد ليوم الرحيل " .

ولمَّا آمن المؤمنون بأهمية التقوى أوقفوا أنفسهم عندها وراجعوها ، فتحقَّقت فيهم خيريَّةٌ عظيمة .

دعـاء :

اللهم اجعلنا - يا جليلُ - مِمَّن يخافونك ، ويعملون حقًّا بِمُحكم تَنْزيلك ، ويقنعون بعطاء قليلِك

ويستعِدُّون ويشمِّرون ليوم رحيلِهم ، ولَحْظة خروج أرواحِهم ، ووقتِ إنزالهم إلى وحشة قبورِهم .

كيف يُحاسِب المؤمنون أنفُسَهم ؟

إن المؤمنين يُحاسِبون أنفسهم على صلاة الفرائض ؛ أكانت على وقتها ، وبخشوعها ، وبحقِّها ؟

هلموا نزدد إيمانًا ..!
إن المؤمنين يحاسبون أنفسهم على السُّنن الرَّاتبة

هل أتَمُّوها بثِنتي عشرة ركعة ليفوزوا بقصر في الجنة ؟؟

أم حرَموا أنفسهم من قصرهم في يومهم ؟

المؤمنون إذا وقعوا في غيبة ونميمة

استغفروا وأنابوا ، ورجعوا ، وكفَّروا عن ذلك .

المؤمنون إذا أساؤوا لأحد بفعالهم أو بألسنتهم

راضوهم وأكرموهم ، وتحببوا إليهم تحبُّبًا ، وتصافَوْا معهم تصافيًا

ولم يناموا يومَهم وهم يحملون بغضًا لغيرهم ؛ طمعًا في جنة ربِّهم .

المؤمنون يتصدَّقون ويُنفقون لربِّهم ، ويحبُّون العمل لدينهم .

وهم خيرُ مَن يفقهون قولَه تعالى : " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ " [ التوبة : 111 ]

فأنفَقوا لتكون لهم الجنَّة ، وعملوا لدينه ؛ لينالوا شرف التأسِّي بالأنبياء ، لِتَربح بذلك تجارتُهم مع الله - عزَّ وجلَّ .

المؤمنون إذا أذنَبوا استغفروا وتابوا

واستشعروا رضا ربِّهم ورحمتَه، ولَم يُسوِّفوا ولم يؤجِّلوا ولم يقولوا للإنابة والرجعة : غدًا موعدنا .

وهكذا راقبوا أنفسهم وحاسَبوها ؛ إيمانًا منهم ويقينًا بأنه مَن يُحاسِب اليوم نفسَه هان عليه الحسابُ يوم الحساب .

الاستقامة طموح المؤمنين :

فالمؤمنون ما إن ينتهوا من الطَّاعة إلا ويدخلون في غيرها ، ويُتَرجمون على الدوام بما تَحمله قلوبُهم من الإيمان

فالاستقامة ترجمة فعلية لإيمان القلوب ؛ " قل آمنتُ بالله ، ثم استقم " .

والمؤمنون يُكْثِرون من دعاء الفاتحة : " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " [ الفاتحة : 6 ] .

وهم خيرُ مَن يعلمون قولَ خالقِهم : " وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا " [ الجن : 16 ] .

خاتمة ودعاء :

اللهم إنَّك سألتنا من أنفسنا ما لا نملكه إلاَّ بك

اللهم أعطنا مِنها ما يُرضيك عنَّا ، واجعَلْنا من المؤمنين حقًّا وصدقًا

 اللهم سيِّرنا ولا تُخيرنا ، اللهم خُذ منَّا ، وتولَّ أمرنا عنا

اللَّهم اشْغَلنا بك ، وهَبْ لنا هبةً لا سعة فيها لغيرك ، إنَّك أنت العزيز الوهَّاب .

اللهم اقطع عنَّا كلَّ قاطع يقطَعُنا عنك ، اللهم تَوَلَّنا ، ولا تُوَلِّ علينا غيرك

اللهم إنَّا نرجو رحمتك ، ونخشى عذابك ، اللهم اجعلنا من المرحومين ، ولا تجعلنا من المَطْرودين .

 اللهم يا من يَمْلك حوائج السَّائلين ، ويعلم ضمائر الصَّامتين ؛ فإن لكلِّ مسألة منك سمعًا حاضرًا، وجوابًا عتيدًا

ولكل صامت منك علمًا ناطقًا محيطًا ، نسألك برحمتك الواسعة أن تجعلنا من المؤمنين ، وعلى هَدْيِ سيِّد المرسلين

 آمين ، برحمتك يا أرحم الراحمين ...





نعم الإخلاص !!

ذاك الذى أعيى السلف وأقلق مضاجعهم فما ذاقوا للنوم طعماً وما تلذذوا بلذة حتى بشروا من الله بالقبول

فما الإخلاص ؟ وكيف تحدث عنه القرآن ؟ وما حال سلفنا الصالح معه ؟ 


ثم ما هي ثمراته في الدنيا والآخرة ؟ وهل لنا من سبيل لنحققه - بإذن الله تعالى - ؟؟!

نصحبكم في هذه السطور مع هذا الأمر العظيم ، فنبدأ بسم الله ..

كيف نحقق الإخلاص ؟؟

أولا ً: تعريف الإخلاص


لغة ← هو مصدر أخلص يخلص وهو مأخوذ من مادة { خ ل ص } ، التى تدل علي التنقية والتهذيب .

كيف نحقق الإخلاص ؟؟شرعا ً ← الإخلاص هو إفراد الله بالقصد فى الطاعة .

وقيل :

هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين وإعجاب الفاعل بنفسه .


وقيل : هو نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق .

وقيل : هو إستواء أعمال العبد فى الظاهر والباطن .

وقيل : هو ألا تطلب على عملك شاهدا ًغير الله تعالى .

ولا بأس بالجمع بين هذه الأقوال

إذ أن كل تعريف منها يشير إلى المعنى المراد من تعريف الإخلاص .


ثانياً : حديث القرآن الكريم عن الإخلاص


تحدث القرآن العظيم عن الإخلاص فى كثير من الأيات ليحث المؤمنين على الإجتهاد

فالإخلاص التجرد وتنقية العمل من سائر الشوائب التى تعكر صفوه وتكدر صفاءه

ومن ذلك قوله تعالى : { وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ .. } ( النساء : 146)

فالإخلاص فى الطاعة ترك الرياء ، وهو الداء العضال والسم القاتل الذى يفتك بمن تعاطاه

نسأل الله السلامة والعافية ..

قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى : هو أخلصه وأصوبه

قالوا يا أبا على : ما أخلصه وأصوبه ؟؟!

قال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل

حتى يكون خالصاً صواباً ، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة .


ثم قرأ قوله تعالى : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } ( الكهف : 110)

وهى الأعمال التى كانت على غير السنة أو قصد بها غير الله سبحانه ..!

فما أعظم خسارتهم ويا حسرة عليهم قد خسروا أنفسهم ..

قال الله تعالى : { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } ( الفرقان : 23 )

وقال الملك سبحانه : { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } ( الزمر : 3 )

أى العبادة الخالصة لله وحده دون الطواغيت والأنداد ..

وقال سبحانه : { .. وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ... } ( الزمر : 47 ، 48 )

فمن غفل عن الإخلاص فى الدنيا رأى حسناته يوم القيامة سيئات فما بعد هذا العذاب من عقاب !

فيا أخى / أختي

تأملوا كيف أن الإخلاص يعظم أجر صاحبه ، بدون عمل منه بل بمجرد النية الصالحة فقط

قال الصادق المصدوق : { من سأل الله الشهادة بصدق ، بلغه الله منازل الشهداء ، وإن مات على فراشة }
(1)

وما أحلى وأجمل أن ندندن ونردد هذا الدعاء الجامع من كلام خير الناس وهو يستعيذ بربه من الشرك وهو المعصوم

- بأبى هو وأمى -
حيث يقول : { اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا ً نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه } (2)


ثالثـا ً : سلفنا الصالح والإخلاص


لله درهم أخلصوا فتخلصوا وعرفوا الطريق فسلكوه ..

وما حادوا عنه وما تركوه واجتازوا المفاوز والأهوال حتى عبروا شاطئ اليم بعد أن خاضوا فى لججه .


كان بعضهم يقول لنفسه : أخلصى تتخلصى .

وقيل للإمام سهل : أى شئ أشد على النفس ؟ قال : الإخلاص إذا ليس فيه لها نصيب !

رحمه الله هذا الكلام يصدر من مثله ! ومن يعرف للإخلاص طريقاً ومسلكاً إذ لم يعرفه هؤلاء ؟؟!!

وقال بعضهم : رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية .

وقال يحيى بن كثير : تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل !

نعم فالعمل يراه غيرك وربما أعجبت به أنت ، فيكون حظك يا مسكين إعجابك بعملك !

وقال الربيع بن خثيم : كل ما لا يراد به وجه الله ، يضمحل وهو إلى زوال لا محال

وقال بشر بن الحارث : ما اتقى الله من أحب الشهرة !

وقال بعضهم { أى بعض السلف الصالح } :

ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم .

وقال بعضهم : تجارة العلماء تجارة النيات !

تعلموا كيف يتاجرون ويربحون على ربهم ، ما إنشغلوا بتجارة الدنيا فحسب

وإنما تاجروا مع ربهم فنعمت التجارة وربحت وما وراءها خسارة !

وها هو رجل من الأفذاذ الذين استناروا بنور الله يقول : إنى لأحتسب نومتى كما أحتسب قومتى !

أبت نفسه إلا الإنشغال بالطاعة حتى وهو نائم !

نعم وذلك لما أخلصوا إختلطت الطاعة بدمائهم وأعصابهم فما صبروا عنها حتى فى غفلتهم ورقدتهم

وفى الأثر : لا تعملن عملا إلا بنية !

نعم وإلا كان العمل هباء ًا منثورا ً ..!

وجاء فى مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله : نقلا ً عن الفضيل بن عياض قال رحمه الله :

ترك العمل لأجل الناس رياء ، والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص : الخلاص من هاذين

وفى رواية : والإخلاص أن يعافيك الله منهما .

وكان الربيع بن خثيم يدخل عليه الداخل وفى حجره المصحف فيغطيه (3)

وبعضنا يود أن تسجل الإذاعات تلاوته إذا قرأ شيئا ًمن كلام الله !

وقال بشر بن الحارث رحمه الله : قد يكون الرجل مرائيا ً بعد موته يحب أن يكثر الخلق فى جنازته . (4)

لقد تميز أهل الرياء عن غيرهم حتى فى المقابر !

وأبلغ من ذلك قوله تعالى : { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } (التكاثر)
ولله در من قال :

أرى أهل القصور أذا أميتوا *** بنوا فوق المقابر بالصخور

أبوا إلا مباهاة وفخرا *** على الفقراء حتى فى القبور

وهذا هو الإمام أبى حامد الغزالى رحمه الله وهو يحتضر فى الرمق الأخير إذ يطلب منه رجل النصيحة

فإذا بالإمام يردد : عليك بالإخلاص ، فلم يزل يكررها حتى فاضت روحه فرحمة الله عليه .

رابعا ً: من ثمرات الإخلاص

فى الدنيا

من أسباب النصر على الأعداء وهو أيضا ً سبب لمحبة الناس

وهو سبب لنيل الثواب بدون عمل أحيانا ً كالذى يرجو الشهادة بقلبه وهو صادق فينالها بالنية فضلا ً من الله ونعمة .

فى الأخرة

يؤمن صاحبه من عذاب القبر ويتنعم فيه جزاء ً من ربك والجزاء من جنس العمل

والإخلاص يؤمن صاحبه يوم الحشر وييسر حسابه ويستظل فى ظل الله ويرد حوض النبى الكريم يوم الزحام

فيالها من كرامات ..

خامساً وأخيرا ً : كيف نُحصِّل الإخلاص ؟


وهذا الذى أعيى السلف وأقلق مضاجعهم فما ذاقوا للنوم طعما ًوما تلذذوا بلذة حتى بشروا من الله بالقبول

فيا للبشرى !!

فالحياء من الله وتعظيم نظره إليك من أقوى الأسباب التى تعين على الإخلاص

فأى فائدة يحصلها المرائى بعمله إذا أسخط ربه فاستحق نعمته وعقابه .

والمراقبة أن تستشعر أن الله مطلع عليك فإن لم تكن تراه فهو يراك .

كما أن العبد إذا خاف يوم الزحام والعرض على الله يوم تبلى السرائر والسر عند الله علانية

فالسرائر مكشوفة { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ( سورة الملك : 14 )

إذا إستشعر العبد ذلك خاف من يوم الفضيحة أن يفضح على رؤس الأشهاد وينادى : يا مرائى يا كاذب !!

فهذا من أعظم الزواجر والله المستعان .

ولا ننسى أن نستعيذ بالله من الرياء والشرك كما علمنا النبى صلى الله عليه وسلم :

{ اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا ً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه } (5)

والله المستعان

هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
________________________________________________________

(1) صحيح مسلم

(2) أحمد فى مسنده وصحيح الترغيب والترهيب

(3) سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبى ( 260/4 )

(4) سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبى ( 473/10 )

(5) الراوي : أبو موسى الأشعري ، المحدث : الألباني






فهلا نملة واحدة ؟


كانت تلك معتبة ربانية وجهها الله جل وعلا لأحد أحب خلقه إليه .. وجهها لنبي من أنبيائه !

القصة بتمامها وتفاصيلها ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وأورد رواياتها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما 

فهلا نملة واحدة ؟!

وتدور أحداثها في زمان سابق لعصر رسولنا حيث نزَل نبيٌّ منَ الأنبياءِ تحتَ شجرةٍ ، فلدَغَتْه نملةٌ

فأمَر بجهازِه فأُخرِج من تحتِها ، ثم أمَر بقرية النمل فأُحرِقت بالنارِ ..


هنا صدرت المعتبة الربانية ونزل الوحي الإلهي يلوم ذلك النبي على تلك العقوبة الشاملة قائلاً :

" أحرقت أمة من الأمم تسبح الله " ثم ختمت المعتبة بتلك الجملة التي صدَّرت بها مقالي : " فهلا نملة واحدة "


أما كان يكفيك أن تعاقب تلك النملة التي آذتك بدلا من أن تعمم عقوبتك على سائر جنسها ؟!

هو سؤال استنكاري مختصر يبين قاعدة عظيمة كثر ذكرها في الكتاب والسنة

قاعدة تضىء بالعدل وتسمو بالإنصاف وتتألق بالحكمة المفتقدة بين كثير من الناس مع بعضهم البعض

وليس مع نملة ،، مجرد نملة ..

إنها تلك القاعدة القرآنية التي تكررت بنفس اللفظ خمس مرات في كتاب الله

قاعدة : " ولا تزر وازرة وزر أخرى "

ذلكم المبدأ المنطقي البسيط الذي هو على الرغم من بساطته ووضوحه وبدهيته صار يغيب عن أذهان

كثير من الناس اليوم فيعتمدون خطاب الجمع والتعميم ويختارون ثقافة السلة الواحدة التي هي ثقافة مريحة بلا شك

لكنها راحة الاستسهال واطمئنان التنطع والكسل .


فلماذا ينفق الظالم شيئا من وقته وفكره في التفصيل والإنصاف !! بينما هو يستطيع أن يلقي الجميع في سلة واحدة

و ( يخلص ) ، وإن ذكرته بأنه " لا تكسب كل نفس إلا عليها " ، وأن " كل نفس بما كسبت رهينة "

وأن " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " ، و " إن أعظمَ الناسِ فريةً الشاعرُ يَهجو القبيلةَ بأسرِها "

و " إن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى "
وسائر تلك الأدلة القرآنية والنبوية الناصعة

التي تبرق بنور الإنصاف والعدل ، فإن تذكيرك هذا سيصطدم بحواجز مصمتة وضعها على عينيه مروجو تلك الثقافة

ثقافة السلة الواحدة والتعميم المقيت ومبدأ السيئة تعم والعقوبة على المشاع

ولو أتعب أولئك المستسهلون ذلك العضو الذي وُضع في جماجمهم وأمروه بالتفكير هنيهة في مآل تلك الطريقة

لحقروا أنفسهم ولربما لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك على سطحية رؤيتهم وسماجة مبدأهم

ثم لا يلبث ضحكهم إلا وينقلب إلى بكاء حين يكتشفون مدى الظلم والغبن الذي دفعهم إليه شنئان قوم .

حين يتفكرون للحظات كيف يحاسب كل أسمر على خطيئة من يشاركه لونه وكيف يعاقب كل أشقر على جريمة

ارتكبها شبيهه ولماذا يُلام سمين على كل ذنب اقترفه سمين مثله

مشهد هزلي هو لكنه للأسف يحدث يوميا

مجرد أن تسمع أو تقرأ لإنسان يتكلم مهاجما مخالفه بصيغة الجمع قائلا : أنتم فعلتم وسويتم ..

تعلم حينئذ أنك بصدد أحد أبناء تلك الثقافة " ثقافة التعميم المريح ومبدأ امتداد العقوبة "

ذلك المبدأ الذي حذر منه يوسف عليه السلام بكل وضوح حين عرض عليه إخوته أن يأخذ أحدهم

بدلاً من أخيهم بنيامين فقال : " معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون "


وأيضا قالها ذو القرنين حين استنجد به أقوام ليعاقب ظالميهم فقال :

" أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكراً "


فقط من ظلم .. هذا هو الأصل والقاعدة الشرعية الواضحة ، حتى على مستوى الأعراف البشرية الطبيعية

- باستثناء الحقب الفاشية والأمم القائمة على التطهير العرقي والإبادة الطائفية -

فإن رفض ذلك المبدأ هو الأصل ، بل إن هناك دولاً تعد ذلك الخطاب ومآلاته نوعا من التمييز والعنصرية

وربما تُخضع مرتكبيها لعقاب شديد يردعهم عن هذا الظلم المقزز والأحمق في الوقت نفسه

بينما المنصفون في كل زمان ومكان لا يجرمنهم شنئان ولا يستخفنهم بهتان ولا يعممون طغيان بل يفصلون ويميزون

ويفرقون بل الصالح والطالح والمحسن والمسىء ويرفعون دوما ذلك الشعار القرآني الجليل " ليسوا سواءً "

ولو افترضنا جدلا وقوع الخطأ من أي مخلوق غير معصوم ..

فلتكن المحاسبة من نصيب مقترفه ، ولتكن العقوبة للـنملة‬ الشاردة لا لقريتها ولا تزر وازرة وزر أخرى ..

-------------------------------------------------------------

بقلم الشيخ الدكتور : محمد على يوسف - حفظه الله -


ليس من شرط جمع الشمل أن يكون الإنسان ببغاء يجتمع مع الناس على ما يراه باطلاً !!

بل هذا المفهوم الباطل للإجتماع هو ما دعا قوم للمؤالفة على المنكر والإجتماع على الباطل والإستقرار على الورم

والله عز وجل أمر المسلمين بالإجتماع في الصلاة والحج وبين كل واحد منهم من اختلاف الرأي ما يعلمه الله

وطلب رسول الله من المؤمنين تسوية الصفوف كي لا يخالف الله بين قلوبهم ورغم ذلك لم يطلب منهم ألا يختلفوا

ولم يجعل مجرد الاختلاف في الرأي ناقضاً لألفة القلب ..


اختلاف لا يَـنقض أخوة

ذلك أن اجتماع المسلمين هو واجتماع ألفة المؤمنين وحفظ حقوقهم وألا يبغي بعضهم على بعض

ولو اعتقد الواحد منهم خلاف ما يرى الآخر ، وقد كان الأئمة يختلفون في كفر رجال وإسلامهم

ولم يمنع الأئمة ذلك من الائتلاف والاجتماع .


وليست الفـٌرقة هي اختلاف الرأي !!


وإنما الـفـٌرقة هي أن يبغي مريدو الإجتماع على بعض أو أن يُعرض واحد منهم عن البينة بعد ظهورها له .


وليست آفة أمة المسلمين اليوم في اختلافهم في الرأي ..

فإن المسلمين لم يتفقوا قط في كل الآراء لا في أزمنة ضعفهم ولا في أزمنة قوتهم

وليست أزمتهم حتى في مجرد أنه يقع منهم البغي والإعراض عن البينات

وإنما الآفة العظمى هي في عجز المختلفين على الحفاظ على الإخوة الإيمانية وسائر حقوقها

وأنهم لا يخففون أثر البغي بمحاولات وصل القلوب وإزالة ما بها من آثار البغي والظلم .

وإقامة ما تستوجبه الإخوة الإيمانية من العلاقات

رغم وجود اختلاف الرأي الذي قد يصل إلى شدة الناصح على المنصوح فيما يراه غير سائغ =

هو التحدي الذي نجح فيه الصحابة والسلف فوقع بينهم ما وقع من القتال

ورغم ذلك حرصوا على ضبط أحكام قتال أهل البغي فلم يخلطوها بقتال الكفار

وظل بينهم النكاح والتوارث ، بل ومجالس السمر أيام وقف القتال !!

ومِثل هذا الفقه العظيم والروح الإيمانية المشبوبة بشرف رؤية النبوة الحية =

هي ما كتب الشرف والفضل للرعيل الأولى صلى الله عليهم وسلم .
وليس يعيب الرجل أن يخالف أخاه ، وليس وقوع البغي منه على أخيه هو أعظم ما يقع من الباطل

إنما الباطل كله = ألا يلين الرجل بين يدي أخيه حين يريد أن يقيم معه ما تقتضيه أخوة الإيمان .


لينوا بأيدي إخوانكم .


______________________________________

كتبه الشيخ : أحمد سالم - أبو فهر السلفي - حفظه الله



من أحب أن يشتهر ويرتفع لم يُذكر ومن كره الشهرة والذكر فى الناس ذُكر .

وهذا كلام متين يشهد له الواقع بالاستقراء فى تاريخ أمة محمد صلى الله عليه وسلم

فالذين ارتفع ذكرهم فى هذة الأمة ، وبقى علمهم وثناء الناس عليهم هم أهل الزهد فى الشهرة والذكر

وأهل الإخلاص من أهل السنة والجماعة ..

http://img716.imageshack.us/img716/1736/naturewallpaperdesktops.jpg
قيل لأبى بكر بن عياش :

إن ناساً يجلسون فى المسجد ويجلس إليهم .

فقال : من جلس للناس جلس الناس إليه

ولكن أهل السنة يموتون ويبقى ذكرهم فى الأمة

وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم .


فالذين ارتفع ذكرهم فى هذة الأمة

هم أهل الورع والصدق والأخلاص من أهل السنة والجماعة

كأئمة الفقه الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد رحمة الله عليهم ، وكذا ابن المبارك والسفيانين وإسحاق

وأبى عبيد والحربى وشيخ الأسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب والذهبى وابن كثير والنووى والعز بن عبد السلام

ومن تأمل تراجمهم وجد نصيحتهم للأمة وزهدهم فى أعراضها الزائفة ..


قيل للنبى صلى الله عليه وسلم : الرجل يعمل العمل لا يريد به إلا وجه الله فيحبه الناس

- وفى رواية فيثنى عليه الناس - قال صلى الله عليه وسلم : [ تِلْكَ عاجِلُ بُشْرَى المُؤْمنِ ]


فالمؤمن لا يرجو وجوه الناس ولكنه يرجو وجه ربه الأعلى والله تعالى يُعلى ذكره ويرزق الناس مودته ، لأنه تعالى

يملك قلوب العباد ونواصى العباد والشهرة على كل حال ليس فيها نفع عاجل ولا آجل بل هى عنت ومشقة

وإبليس من أشهر الخلق ، وقد جعل الله عز وجل الآخرة للذين لا يريدون علواً فى الأرض ولا فسادا

فقال تعالى : ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) [ القصص : 83 ]


وقد كان السلف رضى الله عنهم يفرون من الشهرة أشد الفرار ..

كان أويس وغيره من الزهاد إذا عُرِفوا فى مكان ارتحلوا عنه .


وكان إبراهيم بن أدهم إذا دخل عليه داخل وهو يقرأ فى المصحف غطاه .


ودخل إبراهيم بن أدهم بستاناً فظل الناس يدورون فى البستان ويقولون : أين إبراهيم بن أدهم ؟!!

فأخد يدور معهم ويقول أين إبراهيم بن أدهم .


وذهب عبدُ الله بن المبارك إلى الكوفة ، وزاحم من أجل الوصول إلى سقاية ، فلم يعرفه الناس فدفعوه .

فقال : ما العيشُ إلا هكذا أى حيثُ لن نُعرف ولم نُوقر .

وكان الواحد يختم القرآن حفظاً ولا يعلم به جاره

وروىَ أن رجُلاً من السلف صام سنة كاملة ولم تعلم بذلك زوجته ، كان يخرُج بطعام إفطاره فيتصدق به


ويبقى فى دكانه إلى غروب الشمس ، ثم يعود يفطر فى بيته .

فمن أحبَّ أن يُذكر لم يُذكر ، وذلك لضعف نيته ، ومحبته لنفسه

ومن كره أن يُذكر ذُكر ، لأن كراهية الشهرة إخلاص لله عز وجل ورجاء لثوابه .

فمن أحب أن يُذكر لم يُذكر ، ومن كره أن يُذكر ذُكر

____________________________________________

كتبه الشيخ الدكتور : أحمد فريد - حفظه الله -



أيها الإخوة الكرام !

من أسباب العزلة ألا تميز بين الحق والباطل ...

فإذا دٌعيت إلى جهة من الجهتين وأنت لا تستطيع التميز فحينئذٍ تعتزل

وقد فعل هذا جماعة من خيار الصحابة ، لما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما

فها هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، لما وقعت الفتنة ، أخذ أولاده وماله وخرج خارج المدينة 

فجاءه ولده عمر بن سعد وقد تورط وشارك في قتل الحسين فلما رآه سعد من بعيد جداً وهو لا يعلم من هذا الراكب

وقد كان سعد صاحب فراسة ، فقال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب ، فاقترب الراكب شيئاً فشيئاً ، فإذا هو عمر ابنه

فدخل عليه فقال : يا أبت ! أرضيت أن تكون أعرابياً في إبلك، والناس يتقاتلون على الملك

أما والله لو ذهبت أظنها تئول إليك، وتصبح أنت الخليفة ، فضرب على صدره وقال :

يا بني ! اجلس ، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يحب العبد التقي النقي الغني الخفي

وروى ميمون بن مهران رحمه الله، عن سعد بن أبي وقاص أنهم جادلوه : كيف تركت هذا ولم تدخل ؟

قال : إذا جئتموني بسيف ينطق له عينان ولسان ، يقول : هذا كافر اقتله ، وهذا مؤمن دعه ، حينئذٍ أخوض معكم

يا قومِ ! إنما مثلي ومثلكم كمثل قومٍ في سفر ، فهبت عليهم ريح مظلمة ، ففقدوا الطريق

فقال جماعة : الطريق يميناً ، فمضوا

وقال جماعة : الطريق يساراً ومضوا

وقال جماعة: بل نبقى في مكاننا حتى تنجلي

فما لبثت الريح أن انجلت ، فإذا الذين وقفوا ، وقفوا على الأمر الأول . (هذا هو الفقه أنهم وقفوا على الأمر الأول )

ولما اعتزل عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، قيل له : لم اعتزلت ؟ قال : لا أعرف من الباغي ، ولو علمت لقاتلت .

واعتزل الفتنة أيضاً محمد بن مسلمة رضي الله عنه

العزلة

وكان خزيمة بن ثابت الأنصاري يمشي مع علي ولا يقاتل ، حتى إذا قتل عمار قاتل

لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـعمار بن يا سر عندما كان يبني المسجد النبوي


وكان عمار مريضاً ، فكان الصحابة يحملون لبنة لبنة ويحمل عمار لبنتين لبنتين مع مرضه

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يزيل التراب عن ظهره وهو يقول : ( ويحك يا ابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية )

وكان عمار مع علي ..

إذاً : الفئة الباغية هي فئة معاوية رضي الله عنه ومن معه

فظهر لـ خزيمة بن ثابت أن الفئة الباغية هي فئة معاوية رضي الله عنه ، فحينئذٍ لم يترخص ولم يتوقف وإنما قاتل

فقد ظهر له برهان أن علي بن أبي طالب مبغي عليه ...

فإذاً :

إذا لم يميز المرء الحق من الباطل يعتزل ، وليس هذا في الفتن فقط ، إنما هذا في كل قضية طرحت

وليس عندك علم أهذا محقٌ أو مبطل ، اعتزل الجدل ، ولا تخض بلسانك ، ولا تقل : أنا رأيي كذا

طالما أنك لم تميز بين الحق والباطل

-------------------------------------------------------------

( موقع الشيخ أبى إسحاق الحوينى حفظه الله )

قال الله تعالى : { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [ الإسراء : 36 ]

نوافذ الاستقبال والعلم والتأمل والتدبر والرؤية هى السمع والبصر والفؤاد

والعبد مسئول عن أعمالها فيما يحبه الله ويرضاه ،
يقول ابن عباس - رضي الله عنهما - :

يسأل الله العباد فيما استعملوا هذه الثلاثة السمع والبصر والفؤاد السمع والبصر والفؤاد


اضبط سمعك

فما السمع ، وكيف يضبطه المسلم ؟!

أما السمع : آلة سبحان مبدعها وخالقها فهي القدرة على التقاط الأصوات بواسطة الأذن .

والسمع نوعان :-

1- خلقي : وهم ميسر لكل صاحب آلة السمع

2- وسمع فهم وتدبر : وهذا وقف على أصحاب الصلات القوية مع الله تعالى


وقد أنزل الله تعالى المعطلين لأسماعهم عن سماع الحق منزلة الذي لا سمع له

قال تعالى حكاية عن أهل النار :
{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ الملك : 10]

وقال تعالى :
{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا

وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }
[ الأعراف : 179]
والسمع أفضل من البصر ..
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى :

من عـَدم السمع عدم المواعظ والنصائح وانسدَت عليه أبواب العلوم وانفتحت عليه أبواب الشهوات التي يراها بعينه

ولهذا لم يكن في الصحابة أصم أطرش وكان منهم جماعة عميان وقل أن يبتلي الله أولياءه بالصم ويبتلي كثيراً بالعمى


كيف يضبط المسلم سمعه ؟!

1- أن يتدرج ويرتقي بسمعه من دركات المعصية إلى مدارج الطاعة

فيسمع القرآن والذكر والكلم الطيب وخطبة الجمعة والدروس العلمية والمحاضرات فيكون سمعه كريماً


يقول عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : لولا ثلاثة ما أحببت البقاء :
 

- تجهيز الجيوش في سبيل الله

- ومكابدة الليل بالقيام

- ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى الناس أطايب الثمر


2- أن يبتعد عن سماع مجالس الكفر واللغو الفاحش

قال تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ

وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }
[ الأنعام : 68 ]

وإلا كانت المساواة فيما فيه والإثم لاحق ..

قال تعالى : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا

فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ }
[ النساء : 140 ]


3- أن يبتعد عن السمع الآثم ، منها :

أ- سماع الغيبة للحديث : « المغتاب والمستمع شريكان » [ رواه الطبري ]

ب- ألا يتسمع بقصد التجسس لا يقاع الضرر بمسلم للحديث : « لا يدخل الجنة نمام » [ متفق عليه ]

ج- ألا يسمع الشائعة ويرددها للحديث : « كفى بالمرء إثماً بكل ما سمع » [ رواه مسلم ]


وعندما تحدث رأس المنافقين في عائشة - رضي الله عنها - في حديث الإفك

وجاءت براءتها من فوق سبع سموات ، جاء التأديب من الله تعالى للمؤمنين في أدب سماع الشائعة .


د- ألا يسمع للغناء الفاحش والكلام الهابط ، فهو محرم بالكتاب والسنة والأمر واضحاً من الشمس في ريعان أفقها

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

----------------------------------------------------

مقال للشيخ : عوض بن محمد بانجار


تكلمنا فى جزئين سابقين حول المجاهدة والنفس وأنواعها وكيف نحاسب أنفسنا ومهدنا فيهما لسؤالنا المهم ..

وهنا يأتي سؤال اشتاقت له النفوس : كيف تجاهد نفسك ؟

كيف أجـاهد نفسى ؟! ج3

ويأتي الجواب على ذلك ضمن الخطوات التالية :

1- التوبة من الذنوب وعدم التسويف :

قال تعالى : ( وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [ النور : 31 ]

لأن كل نقص وشر في الدنيا والآخرة ، فسببه الذنوب

قال تعالى : ( مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) [ النساء : 79 ]

وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال أمر مشهود .

فشهود العبد نقص حاله إذا عصى ربه وتغير القلوب عليه وهو أنه على أهل بيته حتى يعلم من أين أتى ؟

ووقوعه على السبب الموجب لذلك مما يقوي إيمانه .

فعدم التوبة يجعل الإنسان يألف الذنوب ، كمن ترك صلاة الفجر في وقتها زمنًا طويلاً فما يعود يشعر

بوخز الضمير فهذا على خطر كبير إذ ربما سبب ذلك إلى سقوطه ورجوعه إلى طريق الضلال .

وإذا صدق التائب قلبت الأمَّارة مطمئنة ، ورب ذنب أدخل صاحبه الجنة .

واعلم أن الذنوب حجاب عن المحبوب وتتم التوبة بالعلم والندم والعزم .

والتوبة واجبة على الدوام لأن الإنسان لا يخلو عن معصية ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :

« إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة »

ولذلك أكرمه الله تعالى بقوله : ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) [ الفتح : 2 ]

والتسويف يعالج بالفكر في أن أكثر صياح أهل النار من التسويف ، وأنه كلما طال عمره ازداد ضعفه

وكذلك خوف المواصلة بالموت قبل التوبة

وخوف أن يضرب الله عز وجل بعقوبة مانعة له من التوبة من القسوة أو الطبع .

2- التزام الصحبة الصالحة :

س : هل جلوس الإنسان لوحده يثمر ؟

ج : الجواب واحد من وجهين :

أ- إن كان جلوسه لوحده إيجابيًّا ، وذلك بأن يستغل وقته فيما ينفع من سماع أشرطة أو قراءة فهذا يثمر .

ب- وأما إن كان جلوسه لوحده سلبيًّا ، وذلك بأن يستسلم لحديث النفس الأمارة ويضيع وقته في محاسبة الغير

مثلاً : يقول في نفسه : لماذا لم يزرني فلان ؟ ولماذا لم يكلمني فلان ؟ ... إلخ

فهذا ضار يحطم النفس ، فالعلاج الاجتماع مع الصالحين ؛ لأن يد الله مع الجماعة ، والإنسان اجتماعي بطبعه

وأشغل وقتك دائمًا بالخير ؛ لأن الوقت إذا لم تشغله بخير أشغلك الشيطان بالشر .

ولكن هنا تنبيه مهم :

احذر ( يا من بدأت طريق الاستقامة ) الوحدة

لأن الشيطان مترصد والنفس أمارة بالسوء فأي هاجس يأتيك ليصدك عن طريق الاستقامة

تذكر أنه قد يكون في قلبك توبة أعظم ممن يعمل سنوات وهو معجب بنفسه وعمله

إذن استمر وواصل طريقك إلى الجنة .

3- الابتعاد عن صحبة الأشرار :

فكلما هم بالصعود ثنوه عن عزمه ، ولو لم يأته من مجالسة هؤلاء إلا أنه يقارن حاله بحالهم

فيتعاظم في نفسه ويرى أنه أرفع منهم قدرًا، فلا يسعى في إصلاح حاله .

4- جهاد الهوى :

الهوى هو ميل النفس إلى ما تشتهي ، قال تعالى : ( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) [ ص : 26 ]

فمن أسباب اتباع الهوى :

1- عدم التعود على ضبط الهوى منذ الصغر

2- مجالسة أهل الأهواء ، يقول الحسن : ( لا تجالسوا أصحاب الأهواء )

3- ضعف المعرفة الحقة بالله والدار الآخرة

4- حب الدنيا

5- الجهل بالعواقب

فالعلاج : مجاهدة النفس على التخلص من أهوائها واتباع المشروع

قال تعالى : ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) [ طه : 123 ]

قال ابن مسعود رضى الله عنه : ( أنتم في زمان يقود الحق الهوى ، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق )

فالإنسان مرة يجتذبه الهوى ومرة يعود إلى رشده

فعليه أن يكثر من أصدقاء الخير الذين يذكرونه إذا نسي وينشطونه إذا كسل .

قال الحسن البصري رحمه الله : ( أفضل الجهاد : جهاد الهوى ) ، وقال : « والمجاهد من جاهد هواه »

5- تقوية الإرادة الضعيفة :

1- أن يكثر من العبادات ؛ لأنها تزكي النفوس وتقوي الإرادة

2- أن يكثر من صيام النفل ، ويستحضر عظمة الصوم في رمضان ؛ لأنه يقوي الإرادة

3- أن لا نترك الإرادة تتبخر من غير أن ننفذ ما عزمنا عليه من عمل ، لأن ذلك يضعف الإرادة

قال تعالى : ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ) [ آل عمران : 159 ]

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

( قال صلى الله عليه وسلم : « احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز »

فالإنسان العاقل هو الذي يقبل وصية النبي صلى الله عليه وسلم فيحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه

وما أكثر الذين يضيعون أوقاتهم في غير فائدة بل في مضرة على أنفسهم وعلى دينهم )

وهذا حديث عظيم ينبغي للإنسان أن يجعله نبراسًا له في عمله الديني والدنيوي .

فإذا تعارضت منفعتان نقدم المنفعة العليا ، فإذا اجتمع صلة أخ وصلة عم نقدم صلة الأخ ؛ لأنها أنفع

فالمناهي يقدم الأخف منها ، والأوامر يقدم الأعلى منها ، ولا تنس الاستعانة بالله ولو على الشيء اليسير .

( ولا تعجز ) لا تقل : الشغل كثير ، فما دمت قد صممت أنه الأنفع واستعنت بالله فلا تعجز

كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما دعي إلى بيت عتبان ليصلي فيه

فلما وصل وجد عتبان قد صنع لهم طعامًا ولكنه لم يبدأ بالطعام بل صلى ثم جلس للطعام

فهذا دليل على أن الإنسان يبدأ بالأهم من أجل أن لا يضيع عمله سدى .

وقد يرد سؤال :

لماذا يبدأ بالطعام ؟ هل لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : « لا صلاة بحضرة طعام » ؟

ج : هذا يرجع حسب حاجة الإنسان إلى الطعام

فإن كان جائعًا ؛ يقدم الطعام على الصلاة حتى لا ينشغل في صلاته ، وهذا كله يرجع إلى فقه الإنسان بالدين .

6- علاج مظهر اليأس من إصلاح النفس :

يقع فيه الكثير ، فإذا ما عاين الشرور المتراكمة والفتن ؛ تكاسل ويئس من إصلاح حاله

وربما ظن أن التغيير مستحيل ، وهذا لا يليق بالمسلم ؛ لأنه لا ييأس من روح الله

بل يكون متحريًا للفرج ، واثقًا بأن الله سيجعل بعد عسر يسرًا .

فهذا الإمام ابن حزم يقول عن نفسه :

( كانت فيّ عيوب فلم أزل بالرياضة واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم

والأفاضل من الحكماء في الأخلاق وآداب النفس حتى أعان الله عز وجل ) .

7- علاج مرض الإعجاب بالنفس :

وهو الفرح بالنفس ، وبما يصدر عنها من أقوال أو أعمال ، فمن العواقب أن يهمل مجاهدة ومحاسبة نفسه .

والعلاج :

1- التذكير بحقيقة النفس الإنسانية ، وأنها ستصير جيفة منتنة

2- التذكير بحقيقة الدنيا والآخرة

3- التذكير بنعم الله عليه

4- دوام حضور مجالس الذكر

5- الاستعانة بالله بواسطة الدعاء

8- الصبر على ألم المجاهدة :

إن الله عز وجل جعل الصبر جندًا غالبًا لا يهزم ، والصبر والنصر أخوان شقيقان

وقد مدح الله الصابرين في قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [ الزمر : 10 ]

وقال : ( وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) [ آل عمران : 146 ]

وقال : ( إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) [ البقرة : 153 ]

وقال : ( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا ) [ المؤمنون : 111 ]

فالصبر : خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن

قال صلى الله عليه وسلم : « وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر »

والنفس لها قوتان : قوة الإقدام ، وقوة الإحجام

فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه ، وقوة الإحجام إمساكًا عما يضره

والصبر ثلاثة أقسام : صبر على الطاعات ، وصبر عن المناهي ، وصبر على الأقضية

والصبر نوعان :

اختياري ( صبر على الطاعات وعن المعاصي ) واضطراري ( صبر على المصائب )

والاختياري أكمل ، فالإنسان لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال .

ويحتاج العبد إلى الصبر في ثلاثة أحوال :

- قبل الشروع في الطاعة ، وذلك بتصحيح النية

- وحين الشروع في الطاعة ، وذلك باستصحاب النية

- والثالثة بعد الفراغ من الطاعة ، وذلك في حفظها مما يبطلها

فيصبر عن العجب بها ويصبر عن نقلها من ديوان السر إلى العلانية

أما الصبر عن المعاصي ، فأعظم ما يعين عليه مفارقة الأعوان في المجالسة والمحادثة .

واعلم أن أشد أنواع الصبر ، كف الباطن عن حديث النفس ، وإنما يشتد على من تفرغ

فلا ينجيه بإذن الله إلا الأوراد المتواصلة من القراءة والصلوات

فالمقصود بحديث النفس هو حديث النفس الأمارة مع الشيطان

وهذا هو سبب عدم انشراح صدور كثير من الناس اليوم لاستسلامهم لحديث النفس

لأنه إذا استسلم لحديث النفس يلوم الغير ، ويحطم نفسه ، فيفوته خير كثير .

إذن عليه أن يجاهد نفسه بعدم الاستسلام لحديث النفس وعدم تحطيم النفس

بل يلوم نفسه على تقصيره لأن المحاسبة تثمر

نسأل الله أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين ، وأن يقينا شرور أنفسنا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وسلام على المرسلين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

لا تنسونا من دعائكم في ظهر الغيب ، ولوالدينا وأزواجنا وذرياتنا وجميع المسلمين .

*     *     *     *     *     *     *     *     *     *     *

الكتاب لــ : بدرية الراجحى

*     *     *     *     *     *     *     *     *     *     *

انتهى الموضوع بحمد الله عزوجل


إخوتى فى الله ، ذكرنا فى الجزء السابق من كيف أجاهد نفسى

قول الإمام ابن القيم - رحمه الله - فى إغاثة اللهفان :


أصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة

فالنفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوب ولا تتحمل مكروهًا إلا لتحصيل محبوب أو للتخلص من مكروه آخره .

وذكرنا أن الإرادة قد يعتريها ما يعتريها من الأمراض فلا تستطيع مقاومة الأهواء والشهوات

ومن المظاهر التي تعتريها ،،،

أن يرى الإنسان الخير في شيء ، ويرى وجوب عمله ، ويعزم عليه ، ثم تخونه إرادته فيستسلم للكسل .

وأن علاج هذه الإرادة المريضة يكون بأنواع من العلاجات ومنها المجاهدة

وتحدثنا عن المجاهدة وأقسامها ومراتبها وما ورد فى فضلها

كيف أجـاهد نفسى ؟! ج2

وهناك سؤال يطرح نفسه الآن وبشدة فقد تتسائل أخى وأختى وتقول :

أي النفوس تحتاج إلى مجاهدة ؟

الإجابة نعرفها من خلال التعرف على أنواع النفس التي سنذكرها :

أنواع النفس :

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله :

اتفق السالكون إلى الله أن النفس قاطعة بين القلوب وبين الوصول إلى الرب طريقًا ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها

فالناس على قسمين :

- قسم ظفرت به نفسه ، فأهلكته

- قسم ظفروا بنفوسهم ، فصارت منقادة لأوامرهم

وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات : المطمئنة ، والأمارة بالسوء ، واللوامة

1- النفس المطمئنة :

هي التي سكنت إلى الله واطمأنت بذكره واشتاقت إلى لقائه وهي التي يقال لها عند الوفاة :

( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) [ الفجر : 27 ، 28 ]

فإذا اطمأن من الشك إلى اليقين ومن الجهل إلى العلم ومن الغفلة إلى الذكر ومن الرياء إلى الإخلاص

وصل إلى اليقظة التي كشفت عنه سنة الغفلة فرأى سرعة انقضاء الدنيا

فاستقبل بقية عمره مستدركًا ما فات ، ويرى في تلك اليقظة عيوب نفسه وعزة وقته

وهي أول منازل النفس المطمئنة التي ينشأ منها سفرها إلى الله والدار الآخرة .

2- النفس الأمارة بالسوء ، ( المفتونة بالشهوات والهوى ) :

هي التي تأمر صاحبها بما تهواه وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء في قوله تعالى :

( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي ) [ يوسف : 53 ]

ولم يقل : ( آمرةً ) لكثرة ذلك منها وأنه عادتها ، لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة وهي المذمومة

فإنها التي تأمر بكل سوء وهذا من طبيعتها إلا إن وفقها الله وثبتها وأعانها 

فما تخلص أحد من شر نفسه إلا بتوفيق الله ، قال تعالى :

( وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ) [ النور : 21 ]

يقول ابن القيم :

سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب ثم تنبعث منها إلى الأعضاء

وأول ما تنال القلب يقول صلى الله عليه وسلم في خطبه الحاجة : « ونعوذ بالله من شرور أنفسنا »

وقال صلى الله عليه وسلم لحصين : « أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بها » فأسلم

فقال : قل : « اللهم ألهمني رشدي ، وقني شر نفسي »

3- النفس اللوامة : ( المجاهدة الصابرة ) :

قال تعالى : ( وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) [ القيامة : 2 ]

قيل : هي كثيرة التقلب ، فتذكر وتغفل ، وتقبل وتعرض ، وتحب وتبغض ، وتفرح وتحزن ، وترضى وتسخط

وقد قيل : هي نفس المؤمن . قال الحسن البصري : إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائمًا .

وقيل : اللوم يوم القيامة ، فإن كل أحد يلوم نفسه ، فإن كان مسيئًا على إساءته ، وإن كان محسنًا على تقصيره

يقول الإمام ابن القيم : وهذا كله حق .

واللوامة نوعان :

- اللوامة الملومة : هي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها الله وملائكته

لأنها تلوم صاحبها على تقصيره بدون بذل جهد ، باقية على تقصيرها بدون أي تغيير أو تقدم

فمثلاً :

الإنسان يلوم نفسه على إضاعة وقته في البيت بدون فائدة ، بدون أن يبذل جهدًا

كأن يخصص له وقتًا معينًا للقراءة وإن لم يقرأ يعاقب نفسه ويلومها بشدة ، ولكن للأسف لا يبذل جهدًا

بل يترك لنفسه الراحة في النوم والكلام والخلطة ، فإذا هي باقية على تقصيرها وإضاعة وقتها .

- اللوامة غير الملومة : وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره في طاعة الله مع بذله جهده

وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة الله ، واحتملت ملام اللائمين في مرضاته

فلا تأخذ فيه لومة لائم ، وهذه قد تخلصت من لوم الله تعالى .

أما من رضيت بأعمالها ، ولم تلم نفسها ، ولم تحتمل في الله لوم اللوام ، فهي التي يلومها الله عز وجل .
وخلاصة القول : إن النفس واحدة ، تكون : أمارة ثم لوامة ثم مطمئنة .
كيف أجـاهد نفسى ؟! ج2

والنفس المطمئنة قرينها الملك يرغبها في الحق ويزجرها عن الباطل


فمثلاً ، إذا أرادت أن تصلي الضحى فإذا بملك يرغبها في أجر صلاة الضحى فتصلي وهي راغبة نشيطة

وأما النفس الأمارة ، فجعل الشيطان قرينها يقذف فيها الباطل 

فمثلاً ، إذا أرادت أن تقوم الليل أو تصلي الفجر

فإذا بشيطان يقول لها : أمامك ليل طويل وأنت الآن متعبة بسبب السهر . فتنام ولا تُصلي

فليس على النفس الأمارة أشق من العمل لله وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله

والملك مع النفس المطمئنة عن يمنة القلب ، والشيطان مع النفس الأمارة عن يسرة القلب والحروب مستمرة .

والنفس اللوامة يتنازعها الملك والشيطان ، فالملك يحثها على تصديق الحق

مثلاً ، يقول لها : من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه

والشيطان يحثها على تكذيب الحق ، يقول للمرأة مثلاً انمصي حاجبك فالله غفور رحيم

مع أن عقاب النمص عظيم ، قال : « لعن الله النامصة والمتنمصة »

وقد قيل :

كيف تستوي النفس المطمئنة إلى ربها ، العاكفة على حبه ، التي لا داعية تدعوها إلى الإعراض

والنفس المشغولة بمحاربة هواها ؟

قالوا :

ففي الزمن الذي يشتغل هذا بنفسه ومحاربة هواه ، يكون صاحب النفس المطمئنة قد قطع مراحل من سيره

كما لو كان رجلان مسافرين في طريق، فقطع على أحدهما قاطع اشتغل بدفعه ومحاربته

والآخر سائر لم يعرض له قاطع، فإن هذا يقطع من المسافة أكثر .

يقول ابن القيم رحمه الله :

المطمئن قد استراح من ألم هذه المجاهدة ، وهذا ثواب مجاهدته وصبره وتشميره .

والآن ،،،

كيف نعالج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه ؟!

يقول ابن القيم رحمه الله : له علاجان : محاسبتها ومخالفتها

* محاسبة النفس وأخذها بمبدأ الثواب والعقاب : فإذا قصرت حرمها من بعض ما تريد

فمثلاً إذا قصرت النفس في ناحية من نواحي العبادة وقصرت في أدائها

عاقبها بأن تدفع مبلغًا من المال أو تصوم ، وهكذا

ولو دفع مالاً ولو كان قليلاً ،  مثلاً جنيهاً أو ريالاً واحدًا

لوجد أنه يدفع في اليوم عددًا من الريالات على كل خطأ أو معصية أو تقصير

فإذا به يكتشف أن نفسه مقصرة كثيرًا ، فينتبه ويشد العزم فلا يزال الدفع يتناقص شيئًا فشيئًا

وذلك دليل على أن النفس أخذت تتبدل كثيرًا بالمحاسبة والتجربة خير برهان

فالنفس كالطفل تحتاج إلى ثواب وعقاب حتى تستقيم ، على أنه لا ينبغي أن يطيل في محاسبة النفس

لأن ذلك قد يؤدي إلى انقباض النفس ، قال تعالى : ( وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) [ الحشر : 18 ]

يقول عامر بن عبد الله :

( رأيت نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتهم

فحدثونا أن أحسن الناس إيمانًا يوم القيامة أكثرهم محاسبة لنفسه )

فهذا الحسن البصري يبكي في الليل حتى يبكي جيرانه

فيأتي أحدهم إليه في الغداة ويقول له : لقد أبكيت الليلة أهلنا

فيقول له : إني قلت :

( يا حسن لعل الله نظر إليك على بعض هنَّاتك ، فقال : اعمل ما شئت فلست أقبل منك شيئًا )

بهذه الحساسية كانوا يعيشون فكان خلقهم القرآن

وروى الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

« الكيس من دان نفسه – أي : حاسبها – وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله »

يقول ابن القيم : محاسبة النفس نوعان :

- النوع الأول : قبل العمل :

قال الحسن رحمه الله : ( رحم الله عبدًا وقف عند همه فإن كان لله أمضاه ، وإن كان لغيره تأخر )

وهي أربعة مقامات :

1- هل ذلك العمل مقدور عليه أم لا ؟ ===> فإن كان مقدورًا وقف وقفة أخرى

2- هل فعله خير له من تركه ؟ ===> فإن كان خيرًا وقف وقفة أخرى

3- هل الباعث عليه إرادة الله عز وجل أم لا ؟ ===> فإن كان نعم وقف وقفة أخرى

4- هل هو معان عليه ، وله أعوان يساعدونه إذا كان العمل محتاجًا إلى ذلك أم لا ؟

ولا يفوت النجاح إلا من فوق خصلة من هذه الخصال الأربع .

النوع الثاني : بعد العمل :

وهو ثلاثة أنواع :

1- محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى

2- محاسبتها على كل عمل كان تركه خيرًا له من فعله

3- محاسبتها على أمر مباح له فعله وهل أراد به وجه الله فيكون رابحًا أم لا ؟

فالإهمال يؤدي به إلى الهلاك

وهذه حال أهل الغرور ، يتكل على العفو ، فيهمل محاسبة نفسه فيسهل عليه مواقعة الذنوب .

وجماع ذلك :

أن يحاسب نفسه أولاً على الفرائض ، فإن تذكر فيها نقصًا ، تداركه بالإصلاح

ثم يحاسبها على المناهي ، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئًا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية

ثم يحاسب نفسه على الغفلة ، فإن كان قد غفل تداركه بالذكر ، ثم يحاسبها بما تكلم وبما سمع

ويعلم أنه لا بد أن ينشر لكل حركة وكلمة ديوانان : لمن فعلته ؟ وكيف فعلته ؟

فالأول سؤال عن الإخلاص ، والثاني سؤال عن المتابعة

قال تعالى : ( لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) [ الأحزاب : 8 ] فإذا سأل الصادقين ، فما الظن بالكاذبين !!

واعلم أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة

وأن العبد ينشر له بكل يوم أربع وعشرون خزانة مصفوفة

فيفتح له منها خزانة ، فيراها مملوءة نورًا من حسناته فيفرح .

ويفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة وهي الساعة التي عصى الله تعالى فيها ، فيفزع

ويفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسوؤه ولا يسره

وهي الساعة التي نام أو غفل أو اشتغل بشيء من المباح ويتحسر ، فيقول لنفسه :

اجتهدي اليوم في أن تعمري خزانتك ، ولا تميلي إلى الكسل ، فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك .

وقال عمر رضى الله عنه :

(حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا) ،
( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ) [ الحاقة : 18 ]

فهكذا ينبغي للعبد أن يحاسب نفسه على معصية القلب والجوارح في كل ساعة

فإن الإنسان لو رمى بكل معصية حجرًا في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة

ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي ، وهي مثبتة ( أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ ) [ المجادلة : 6 ]

كما ينبغي أن يعاقبها إذا قارفت معصية بتثقيل الأوزار عليها

كما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه فاتته صلاة في جماعة فأحيا الليل كله تلك الليلة

فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة ، كيف يطيق ألم العذاب في الآخرة ؟!!

فاعمل في أيام قصار لأيام طوال

اخرج من الدنيا خروج الأحرار قبل أن يكون خروج اضطرار .

-----------------------------------------------------------------------------------

ونأتى لسؤال اشتاقت له النفوس : كيف تجاهد نفسك ؟

هذا ما سنطرحه فى الجزء الثالث إن شاء الله ، فتابعونا

أكمل الموضوع === >  كيف أجـاهد نفسى ؟! ج3 والأخير


يقول ابن القيم - رحمه الله - فى إغاثة اللهفان :

أصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة

فالنفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوب ولا تتحمل مكروهًا إلا لتحصيل محبوب أو للتخلص من مكروه آخره .

فجميع قوى الإنسان في سبات عميق حتى توقظها الإرادة ، والإرادة نوعان :-

1- دافعةٌ تدفع إلى عمل ، كأن تحمله على القراءة

2- مانعة تقصرها عن العمل

فالإرادة القوية تقدم مهما كلفها من المشاق ، ولا تحجم أمام العقبات ، وإنما تبذل ما في وسعها

والمقصود بالإرادة :

هي الإرادة المتوجهة إلى الخير فهذه الإرادة هي سر النجاح في الحياة

فلقوة الإرادة أثر عظيم في انقلاب حال الأفراد والجماعات

فقوي الإرادة له شأن غير شأن ضعيف الإرادة ، فيبلغ من المحامد الشيء الكثير

فلو أقيمت موازنة بين قوي الإرادة وغيره ، لم نجد في أولئك الأخيار غير أنهم يهمون بالأمر فيعملون

والإرادة قد يعتريها ما يعتريها من الأمراض فلا تستطيع مقاومة الأهواء والشهوات

ومن المظاهر التي تعتريها ،،،

أن يرى الإنسان الخير في شيء ، ويرى وجوب عمله ، ويعزم عليه ، ثم تخونه إرادته فيستسلم للكسل .

كيف أجاهد نفسى ؟! - ج1

وعلاج هذه الإرادة المريضة يكون بأنواع من العلاجات ومنها :-

المجاهدة :

بأن يجاهد المرء نفسه على تقوية إرادته

قال تعالى :  ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) [ العنكبوت : 69 ]

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية : هم الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون

ويقول البغوي رحمه الله في تفسيره : المجاهدة هي الصبر على الطاعات

وقال الحسن : أفضل المجاهدة مخالفة الهوى

وقال الفضيل بن عياض : والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به

وقيل : والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة

وقال ابن عباس : والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا

ويقول الشنقيطي رحمه الله في تفسيره : إن الله أقسم على ذلك بدليل اللام في قوله : لنهدينهم

ويقول د. محمد الأشقر في تفسيره : هم الذين جاهدوا أنفسهم في الدعوة إلى الله لطلب مرضاته

ومن المجاهدة المفيدة في تقوية الإرادة :

أن يحرم المرء نفسه من بعض ملذاتها ، وأن يعودها على تحمل المشاق شيئًا فشيئًا ، فمثلاً :

- يحرم نفسه من النوم ويعودها على قيام الليل

- أو يحرم نفسه من الزيارات غير الهادفة ويعودها على استغلال الوقت بسماع الأشرطة أو القراءة النافعة

ولا تعني المجاهدة أن يجاهد المرء نفسه مرة أو مرات

وإنما يجاهدها في ذات الله حتى الممات لأن المجاهدة عبادة

قال تعالى :  ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) [ الحجر : 99 ]

قال ابن عقيل رحمه الله :

ولو لم يكن من بركات المجاهدة إلا أن يعطف الله عليك فيسخرها لك ، ويطوعها لأمرك حتى تصير طوع يدك

وتـٌؤْثر العمل لله ، وإن كان عندها بالأمس كريهًا، وتستخفه وإن كان عليها ثقيلاً .

فمثلاً تؤثر مجالس الذكر لطلب العلم وإن كان عندها بالأمس كريهًا ثقيلاً .

أقسام المجاهدة :

قسمها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى قسمين :-

1- مجاهدة الإنسان نفسه

2- ومجاهدته غيره

فأما مجاهدة الإنسان نفسه فإنها من أشق الأشياء وتكون على شيئين :

- على فعل الطاعات

- وعلى ترك المعاصي ، فتحتاج إلى مجاهدة ، لا سيما مع قلة الرغبة في الخير

ومن أهم ما يكون مجاهدتها على الإخلاص لله عز وجل

يقول أحد السلف : ( ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص )

كذلك من الطاعات الشاقة الصوم ؛ لأن فيه ترك المألوف من طعام وشراب

فبعض الناس مثلاً إذا دخل رمضان ، كأنما وضع على ظهره جبل والعياذ بالله

حتى أن بعضهم يجعل حظ يومه النوم ، وحظ ليله السهر فيما لا ينفع .

أما مجاهدة الغير ، كالكفار والمنافقين وأهل البدع نجاهدهم بالعلم

إذن لابد أن يكون العلم راسخًا في القلب ، والناس اليوم محتاجون إلى العلم لأن البدع انتشرت ) . انتهى

يقول ابن الجوزي رحمه الله :- ( جهاد النفس من أعظم الجهاد )

فما دامت على الجادة لم يضايقها ، وإذا رآها قد مالت ردها باللطف ، فإذا ضعفت وأبت فبالعنف

كالزوجة ، فهي تدارى عند نشوزها بالوعظ ، فإن لم تصلح فبالهجر، فإن لم تستقم فبالضرب

وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم ، هذه مجاهدة من حيث العمل

فمثلاً إذا أردت الخروج إلى أي مكان،،،

حدث نفسك إن هي وقعت بالحرام ، من غيبة أو نظرة محرمة أو سماع محرم أو أخلاق سيئة

فإنك ستعاقبها بدفع مال تنفقه في سبيل الله .

أما من حيث وعظها :

فينبغي لمن رآها تسكن للخلق الرديء وتتعرض بالدناءة من الأخلاق أن يعرفها تعظيم خالقها لها

فيقول : ألست التي قال الله فيك ، ( خلقتك بيدي ) فإن ضعفت في العمل حدثها بجزيل الأجر وعظم الثواب

وإن مالت إلى الهوى خوفها عظيم الوزر،،

ثم يحذرها العقوبة الحسية كما في قوله تعالى : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ) [ الأنعام : 46 ]

والمعنوية كما في قوله تعالى : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) [ الأعراف : 146 ]

فهذا جهاد بالقول .

ويقول : أعجب الأشياء مجاهدة النفس

- لأن أقوامًا أطلقوها فيما تحب ، فأوقعتم فيما كرهوا

- وأقوامًا بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها وظلموها

إذن يجب التوسط .

ويقول : تأملت العلم ، فإذا هو يقوي القلب 

فمن كان قلبه شديد القسوة قاوم ذلك بذكر الموت ، ومن كان قلبه شديد الرقة ينبغي له أن يتشاغل بما ينفعه

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقًا ويسابق عائشة رضي الله عنها

وهذا لكي يبين لنا أنه لا مانع من التلطف بالنفس والرفق بها في بعض الأحيان» انتهى

س : أي الجهاد أعظم ، جهاد النفس أم جهاد الأعداء ؟

ج : هذا ما سنعرفه من خلال تقسيم مراتب الجهاد :-

مراتب الجهاد :-

الجهاد أربع مراتب : جهاد النفس ، وجهاد الشيطان ، وجهاد الكفار ، وجهاد المنافقين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاد النفس : « المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله »

فكان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو ، فإنه ما لم يجاهد نفسه لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج

فجهاد النفس جهاد في سبيل الله إن كان بنية صادقة ، إذن جهاد النفس أعظم من جهاد الأعداء .

فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا :

1- أن يجاهدها على تعلم الهدى

2- أن يجاهدها على العمل به بعد علمه

3- أن يجاهدها على الدعوة إليه

4- إن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله

كيف أجاهد نفسى ؟! - ج1

ما ورد في فضل المجاهدة :-

1- الهداية : قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ]

2- محبة الله :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :


« إن الله تعالى قال : ... وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه

وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... »

إذن النفس تحتاج إلى جهاد في القيام بالواجبات ، ثم بفعل المستحبات

3- تحول الطاعة إلى لذة :

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

واعلم علم إنسان مجرب أنك إذا أكرهت نفسك على طاعة الله أحببت الطاعة وألفتها وتأبى نفسك أن تتخلف عنها

4- إذا قام بعمل يكرهه طاعة لله وصل إلى الجنة

قال رسول الله : « حفت الجنة بالمكاره »

لهذا تجد الإنسان يستثقل الصلوات مثلاً ، ولا سيما في أيام الشتاء

ولا سيما إذا كان الإنسان في نوم بعد تعب ، فيكره أن يصلي ويترك الفراش اللين الدافئ

ولكن إن هو كسر هذا الحاجز وقام بهذا المكروه، وصل إلى الجنة

5- ما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره أن يصل إلى درجة النفس المطمئنة

-----------------------------------------------------------------------------------

من كتاب ( كيف أجاهد نفسى ؟ ) لــ بدرية الراجحى

أكمل الموضوع === >  كيف أجـاهد نفسى ؟! ج2

الحمد لله العالم بالخفيات ، المطلع على الضمائر والنيات

وصلى الله وسلم على نبينا محمد المبعوث بالآيات المحكمات ، والبراهين الواضحات

وعلى آله وأصحابه ومن استنّ بسنته من البريات ، أما بعد ...

النية ، حقيقتها وأثرها - للشيخ عبد الله بن صالح القصير


فإن النية هي علم القلب وأساس العمل والباعث عليه والداعي إلى الدوام عليه

فصلاحها صلاح للعمل وسبب من أسباب توفيق الله عز وجل؛ لهذا كان جهاد النفس على صلاح النية

وسلامة الطوية من أوسع وأشق ميادين الجهاد عند العالمين بهذا الشأن

لما يترتب على صلاح النية وسلامة الصدر من الخير في العاجل والآجل في الدنيا والآخرة .

والنية شرعًا :

قصد العمل المشروع والمباح والعزم على فعل العبادات تقربًا إلى الله عز وجل

وعلى هدي النبي المرسل صلى الله عليه وسلم ، وتلك هي النية الصالحة فإنها تجمع ثلاثة أمور :-

الأول : قصد العمل والعزم على فعله ، فإن العمل غير المقصود ليس شيئًا ولا معتبرًا في ميزان الشرع

الثاني : أن يكون المقصود بالعمل القربة والثواب في الآخرة وذلك بإخلاصه لله تعالى والحذر من الرياء والسمعة

الثالث : أن يقصد أداء العمل على الكيفية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم

وبهذا يتحقق أداء العمل الشرعي الذي يتقرب به إلى الله تعالى على السُّنَّة فيكون مبنيًّا على قواعد الشرع

وأسباب القبول وهي الرضا بالله تعالى ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا رسولاً

ومن رضي بذلك كان حقًّا على الله تعالى أن يرضيه ويجزل مثوبته

قال الله تعالى :

{ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة :  112 ]

وقال سبحانه وتعالى :

{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ آل عمران : 31 ]

وقال سبحانه وتعالى :

{ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ

وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
} [ النساء : 114 ]

وقال صلى الله عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئٍ ما نوى »

ومن فضائل النية الصالحة :

- أنها عمارة دائمة للقلب بطاعة الله تعالى .

- أنها لا يدخلها الرياء .

- أن من نوى شيئًا من العمل الصالح وعُرض له ما يشغله عنه ، كتب له ما نوى .

- أنها تميز بين العبادات والعادات ، وإذا اقترنت بالعادات المباحة صارت عبادات وأعمالاً صالحة يُثاب عليها

- وأنها تميز بين العبادات بعضها من بعض ،

فلكل عبادة نية خاصة بها ، وتميز بين الفرائض بعضها من بعض وتميز بين الفرائض والنوافل..

إلى غير ذلك مما لها من الأثر ، فينبغي للعبد أن يعتني بنية الخير فيما يأتي وما يذر

فإن حظّه من الأجر بحسب حظه من الإخلاص ومراعاة السُّنَّة .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

-----------------------------------------------------

كتبه / الشيخ عبد الله بن صالح القصير

المصدر :  شبكة الألوكة